تخيل معي لو أنه في مكان ما على أرض المحروسة، في ليلة شتوية باردة، في أحد المقاهي القديمة، جلس صديقان معًا يتبادلان الحديثَ الجِدَّ منه والهزلَ أيضًا. وبينما كان أحدهما يستمتع بمذاق مشروب الشاي الساخن بالنعناع؛ إذ سأله الآخر فجأةً: أيهما تفضل؛ الشاي أم القهوة؟! فأجاب الثاني بسرعة دون تفكير: الشاي طبعًا ولا أحب القهوة، وماذا عنك؟! فأجاب الأول أنه يحب القهوة ولا يتخيل حياته بدونها. ولولا أن الحقيقة نسبية، وأن لكل منهما رأيه لاتُّهم الأول بالجنون لأنه لا يحبها، ثم ضحك الاثنان معًا..

للوهلة الأولى ستبدو لك هذه المحادثة كأي محادثة عادية، ولكن المتأمل لمضمون كلامهم سيجد أنهم وقعوا في الادعاء الذى ينص على أن «الحقيقة نسبيةٌ». هل الحقيقة نسبية؟! وأنه لا يمكن لأحد أن يملك الحقيقة المطلقة؟! والأهم من ذلك ما هي مآلات تلك الكلمة التي يقولها البعض دون أن يعي إشكالياتها.

دعني أضرب لك مثالًا ليتضح لك معنى الحقيقة المطلقة؛ إذا أعطيتُك برتقالةً وطلبتُ منك أن تقسمها إلى أربع قطع ثم سألتك سؤالًا لا يحمل في طياته أي لغزٍ أو خدعةٍ، وهو:«أيهما أكبر؟ ذلك الربع مِن البرتقالة أم البرتقالة كلها؟! من المعلوم بداهةً أن الربع أصغر حجمًا من كل البرتقالة فهو في الأصل جزءٌ منها وأنه مما لا يحتمل الشك أن الجزء من الشيء أصغر من كل الشيء. فهذه تعد حقيقةً مطلقةً، ومثالًا آخر عليها هي خروج الشمس من الشرق أو أن 1+1= 2، تلك الأمثلة تعدُّ بعضًا من الحقائق المطلقة التي لا تحتمل الرأي فيها بين الصواب والخطأ ولا يدخل عليها الريب.

وأما الحقائق النسبية فهي التي تنسب إلى غيرها من الأشخاص ويمكن أن تتغير بتغير الزمن واختلاف المكان وتنوع الثقافات، وهذا تعريفٌ مبسطٌ لها. وهنا يمكن للرأي أن يكونَ له دورٌ في تشكل تلك الحقائق.

مآلات هذا الخطاب على الجانب الأخلاقي:

إن الإشكالية الكبرى في هذا الادعاء هو النتائج والتداعيات المترتبة على ذلك الاعتقاد، فالقائل بهذا المبدأ يزعم أن الحقيقة المتعارف عليها بين مجموع من الناس من الممكن ألا تكون كذلك عن البعض الآخر، ولا أعني بذلك العادات والتقاليد ولكن أتحدث هنا على سبيل المثال عن القيم الأخلاقية. فإذا قال أحدهم إنه لا يجد مشكلةً في قتل الأطفال فهنا لا يستطيع المؤمن بنسبية الحقيقة على التنكر أو حتى السخط عليه، فما قاله الشخص الآخر هو الحقيقة المسلَّمة عنده وربما تكون تلك ثقافة بلده الذي أتى منه وبالتالي لا يستطيع – مدَّعي نسبية الحقيقة – إلا تقبل هذا الأمر على أنه شيءٌ نسبيٌّ.

ولتتخيل معي لو أنك سمعت أن جارتك تبيع جسدها بالمال فمن المتوقع والمنطقي أن تشمئز نفسك منها ومن فعلتها القبيحة، ولكن إذا أخبرتُك بأنها تفعل ذلك من أجل أن تتحملَ تكاليف معيشتها وأبنائها الصغار، أظن أنك أيضًا لن تعتبر هذا مبررًا لفعلتها. ولكن إذا أضفتَ لهذه العناصر بعض اللمسات الدرامية وقليلًا من الموسيقى المؤثرة، وكثيرًا من الدموع مع وجه جذاب، فإنه في الغالب يترك تأثيرًا كبيرًا في بعض المشاهدين فيتحرك إحساسهم معها ويدافعون عنها، وأحيانا يتهمون المجتمع حولهم بأنه السبب وليست هي. ولَرُبما أنك شاهدتَ يومًا ما الزوجةَ الخائنةَ لزوجها التي ترتكب فعلًا فاحشًا كبيرًا في حقها وحق زوجها، ومع ذلك وجدتَ المتابعين لهذا العمل الدرامي ينتصرون لها ويفرحون مع فرحها في نهاية الفيلم. أو لعلك شاهدتَ أفلام الخارقين الذين يقومون بالدفاع عن الخير وحماية الناس في مواجهة أصحاب الأفكار الشريرة والأفعال الشنيعة من قتلٍ وسرقةٍ واغتصابٍ، ولكن من العجيب أن شعبية الأشرار بعد مشاهدة تلك الأفلام تصبح أعلى، ويتم مناقشة أفكارهم وفلسفتهم باهتمام أكبر على عكس المراد من رسالة الفيلم كما يزعمون.

والشاهد من كل هذا أننا لو سلَّمنا بأمر أن الحقيقةَ نسبيةٌ فهذا سيؤدي حتمًا إلى تهاوي منظومة الأخلاق وسقوط القيم التي تعطي معنىً للخير والشر، وسيصبح للمجرم دافعه ومبرره الذي يعتقد أنه حقٌ حتى وإن خالفتَه في ذلك.

مآلاتُ النسبية على الجانب الشرعى:

ومن المآلات الخطيرة على الجانب الشرعي هي ادعاء البعض أنه لا يمكن لأي أحدٍ أن يمتلك الحقيقة المطلقة في تحديد المسار الوحيد في عبادة الله، وأن كل الأديان تؤدي إلى الوجهة نفسها ولكن باختلاف الطرق.

وهذا الادعاء مقتضاه بلا شكٍ يؤدي إلى نزع الدلالة القطعية عن الوحي، فلا ينبغي لك كمسلمٍ أن تعتقد أن المسلمين هم الأحق بالجنة مثوبةً لهم على تصديق آخر الأنبياء وأن كل من لم يصدق نبوته فعقوبته النار. وحتى لو اعتقدت بهذا يقينًا فلا ينبني عليه أي عملٍ. فلا يوجد فرقٌ بينك وبين أي شخصٍ يخالفك في الاعتقاد، وليس هنالك أي عمل حركي مثل الدعوة أو الجهاد أو حتى حدّ الردة، وهذا غير منطقي حتى في الأديان الأخرى، ليس من الطبيعيِّ أن يستيقظَ المرءُ مسلمًا اليومَ ثم يغدو على دين المسيحية وبعد الغد يصبح يهوديًّا. وكل ذلك لا يضر المرء شيئًا ؛ فكما زعموا إنما هي طرق مختلفة للوصول إلى الله.

وهذا يوصلنا إلى هدفهم الأساسي وسعيهم إلى سلب الدين من جانبه الحركي وحصره في مفهوم الأعمال الروحانية التي تخدم الجانب النفسي والروحي فقط للفرد، دون التطرق أو الدخول في منظومات العمل السياسي أو الاقتصادي أو التعليمي.

فكأنما يريدون إسلامًا علمانيًّا لا يخرج عن كونه عملًا فرديًّا إطاره البيت والمسجد فإذا خرج من دور العبادة نزع عنه عباءة الدين واستشرف حياته بلا قيود شرعية.

نسبية الحقيقة بوابة للشك:

وتداعيات هذه المقولة لا تقف هنا، أحيانًا كثيرةً يقع الشخص المؤمن بهذه المقولة في الشك بالمسلَّمات العقلية الضرورية والحسية.

فربما اعتقد أحدهم باحتمالية وجود النقيضين؛ أي إنه من الممكن أن يكون الإنسان حيًّا وميتًا في الوقت نفسه، أو إمكانية صناعة سيارة ساكنة ومتحركة، أو أن ربع البرتقالة من الممكن أحيانًا أن يكون أكبر من البرتقالة كاملةً، وذلك لأنه يظن أن الحقيقة التي عنده ربما لا تكون حقيقةً في ذاتها وإنما هي خيالٌ يصوره عقله أو أنه حتى ليس موجودًا وإنما هو إشارات كهربائية في عقل شخص آخر، أو أن ما فيه من واقع الآن هو حلم وربما يكون الحلم هو الواقع وهو لا يستطيع التفريق بينهما. لا تتعجب عزيزى القارئ من غرابة ما أقول، ففى سنة 2016 في ذكرى المنتدى السنوي التذكاري لإسحاق أزيموف في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي اجتمع كثيرٌ من الباحثين لمناقشة فكرة أن الحياة التي نعيشها قد تكون مجرد برنامج محاكاة في لعبة لطفل صغير في عالم متطور حديث، ولم يُمانع أغلبهم على تصديق تلك الفرضية.

وكل هذا من وجهة نظري لعدم وجود مسلَّمات عقلية وحقائق مطلقة يُستدل بها على غيرها، وبطبيعة الحال يقع كثيرٌ من أصحاب هذا الرأي في الشك والسفسطة وتنهار كل القيم والأخلاق ومِن بعدِها الضروريات العقلية الأساسية، وذلك لأن – بزعمهم – «لا يملك أحدٌ الحقيقةَ المطلقةَ».

هل هنالك حقائق نسبية؟

من الضرورى التنبيه على أن هنالك الكثير من الحقائق النسبية التي تحتمل التغير أو المباينة بين صوابها وخطأها دون الوقوع فى شك أو سفسطة، وأنه يوجد بعض الفضاءات التي يمكن فيها الزعم بأن ما فيها حقيقة نسبية، مثل نوعية الملابس واختلاف المذاق وغيرها من الأشياء التي لا يجزم أحدٌ بكونه مصيبًا فيها. ولكن الإشكال في التعميم أو عند إسقاط هذه الكلمة في الفضاءات التي لا تحتمل النسبية فيها مثل العقيدة والقيم الأخلاقية.

وعلى أية حالٍ إذا تأملنا مضمون المقولة نفسها فسنجد أنها متناقضة لذاتها، فإذا اعتقد الشخص أن كل الحقائق نسبية فإذا هو يعتقد أن مقولته هذه حقيقة مطلقة وهذا يجعلها تنفي نفسها.

في النهاية، إذا أخبرك صديقك في يوم ما بأن الحقائق نسبيةٌ بشكل عام دون تخصيص، فاصفعه على وجهه بقوة، ثم قل له إن تلك لم تكن صفعةً وإنما تدليك على الوجه، فإذا غضب منك فأخبره بأن «الحقيقة نسبية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد