المقاهي المصرية متنوعة؛ ففيها أركان كثيرة وتناسب كل الطبقات الاجتماعية التي تريد التسلية في الليل. فسحة بمبلغ مالي قليل، ولكنها تحوي المزيد من المتعة الاجتماعية الليلية بعد انتهاء إجازة، أو يوم جمعة، أو الأحد بانتهاء مصالح الموظفين في أي بلد عربية.

بداية فكرة المقاهي

بحسب كتاب المستشرق الأجنبي الذي عاش في مصر وزار القاهرة إدوارد وليم لين: أن القاهرة كان بها ألف من المقاهي ذات واجهة خشبية على هيئة عقود تقوم على طول الواجهة، ما عدا مدخل المصطبة من الحجر أو تفترش بالحصر. ويبلغ ارتفاعها قدمين أو ثلاث، وفي داخل المقاهي مقاعد متشابهة على جوانبها، فكان من يرتاد المقاهي قديمًا أفراد الطبقة الوسطى من التجار، مقابل خمس من الفضة للفنجان الواحد. و10 من الفضة «للبكرج» الواحد الذي يتسع لثلاثة فناجين أو أربعة. وهناك العديد من عدد الشيشة التي تباع في بعض المقاهي المصرية. ولم تكن المقاهي تعرف نظام المناضد سوى أنها فكرة مأخوذة من بارات الخمور. والتزمت بها المقاهي فيما بعد للتطوير من نفسها.

مشروبات المقاهي القديمة

في الأرفف السفلية يوجد عدد من النرجيلات، وهي آلة تدخين قديمة، وانتشرت في بدايات القرن التاسع عشر، فتوجد العديد منها بوصفها تحفًا حديثة للعرض والبيع.

1- القهوة: وتقدم في بكرج موضوع على جمر في وعاء من فضة أو نحاس حديث. ويسمى عأزقي ويعلق هذا الوعاء في ثلاث سلاسل، ويقدم الخادم القهوة ممسكـًا أسفل الطرف بين الإبهام والسبابة. كان الأغنياء يضيفون نكهة العنبر إلى القهوة لتضيف للمزيج الشرقي الغني.

2- الشاي: لم يعرف ويقدم إلا في القرن التاسع عشر؛ فكان يطلق عليه العديد من المصطلحات الجميلة، التي ربما يتم النداء بها حتي اليوم في المقاهي الشعبية.

هذا إلى جانب كثير من المشروبات التي سميت اصطلاحًا بأسماء أخرى أهم وأجمل، فكان يطلق على القرفة «فانيليا» والنرجيلة الصغيرة «حمي» والنرجيلة الكبيرة «عجمي» والدخان المخلوط بالعسل «معسل» قائلين عنه واحد بوري.

بداية الدخان في مصر

1- النرجيلة: كانت تقدم في أشهر الأماكن باختلاف مكوناتها وأشكالها المزينة، حتى انتقلت إلى المقاهي الهامشية في المجتمع المصري، فقد وصلت إلى الاضمحلال ثم إلى الزوال بعد أن كانت أساس العشق في مجتمعنا المصري.

كنت أرى أن الدخان ظهر في مصر 1012 هجريًّا، وأثار موجة من الخلافات الفكرية عند علماء الدين في هذا العصر. وتمسكوا بتحريمها بعد المد الوهابي إلى مصر. جاءت فترة أصدر الوالي العثماني أمرًا بمنع تدخين التبغ نهائيًّا، ونزل معه الأغا وتابع معه أمر المنع والرقابة، وكان العقاب قاسيًا لدرجة إدخال الحجر في فم من يدخن وهو ساخن وبه نار.

وكان هذا الاسم يرجع إلى ثمرة جوز الهند، والاسم العامي المشتق منها وهي الجوزة، وتأرجحت المصطلحات التي يستعملها عوام المصريين. وكانت أكثر استعمالًا في اليمن والسعودية، يقال بحسب الكتاب إنها انتشرت أيضًا في الهند منذ بدايتها حتى تحديثها، ووصولًا إلى مصطلح الشيشة الذي يستخدمه العوام من المصريين. فكان سعر النرجيلة المصرية 10 مليمات، وفي الأربعينات 10قروش، حتى الخمسينات بثلاثة جنيهات. وفي دمشق نصف ليرة لتحصل عليها فاخرة، في بغداد 30فلسًا، وفي تركيا نصف جنيه للحجر الواحد، بحسب تقديرات الكاتب واختلاف الزمن.

القهوة كيان أساسي من حياة المواطن المصري والعربي، باختلاف الطبقات الاجتماعية ونوعيات المجتمع، من طبقات المثقفين والمهندسين والأطباء ورجال الأعمال، يتجمعون في هم واحد. ورجال الأحزاب الذين شكلوا معظم الاجتماعات الخاصة بهم في مقاهي. حتى رجال السياسة الذين يخافون من التخابر، وحتى لو كانوا يعملون مع الحكومة، كانت اجتماعاتهم مع الشعب لحل مشاكلهم من فقر واحتياج إلى ماديات.

مع عصر الحداثة مثلما مات الراديو ستموت أشياء كثيرة من بينها ما أذكره في هذا المقال. لكني أتمنى ألا يموت التراث الشعبي من القصص الشعبية التي أحيت وجدان طه حسين في رواية الأيام. وألا تموت القهوة التي عرفت الناس على نجيب محفوظ.

أنشطة المقاهي القديمة

قبل انتشار المذياع المصري، ظهر من يحكي القصص الشعبية التراثية، ويجلس في المقاهي مع ربابة ويغنيها مع موال، مثل: أبي زيد الهلالي، وظاهرية الظاهر بيبرس، وسيرة الأميرة ذات الهمة، وألف ليلة وليلة. لكن الراديو وما بعده قضى عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب ملامح القاهرة في ألف عام- جمال الغيطاني
عرض التعليقات
تحميل المزيد