في هذا الزمن الذي لم يعد فيه المؤمن بوجود الله وحسابه وعقابه وجنانه ونيرانه يقوى على أن يبادر غير المؤمن بالنصح والموعظة، أصبح الملحدون هم من يبتدؤون الكلام محاولين إثبات عدم وجود الله تعالى في كل مجالسهم في محاولة بائسة لإيهام الآخر بأنهم على الحق، وهذا أعجب ما يكون! يكمن العجب في أنه لا يُعرف دليل واحد على عدم وجود الله تعالى حتى عند من ابتدعوا الإلحاد وصدَّروه لغيرهم، سوى قولهم بأنه تعالى لا يُرى ولا تعرف هيئته. وهذا لا ينافي حقيقة وجوده تعالى في شيء، بل كل شيء دليل عليه تعالى وحجة وبرهان، فمن شدة الظهور الخفاء.

وإن كان الإنسان غير قادر على رؤية الهواء وهو يستنشقه، أو معرفة كُنه الروح التي يحيا بها وتسري في جسده، أو لمس الأرواح والجن الذين يرتعد من وجودهم وذِكرهم، وهي كلها مخلوقات من مخلوقات الله تعالى التي لا حصر لها، فأنى له أن يظن أن بإمكانه رؤية الله تعالى في الدنيا أو تحديد ماهيته؟!

فها هم بعض الشعوب لا تقبل عقولهم الإذعان بأن هناك إلهًا مسيِّرًا لهذا الكون الفسيح، ويختارون أن يعيشوا حيواتهم بلا قيد ديني رغم احتياجهم الشديد له، ربما ليس لأنهم لا يريدون بقدر أنهم منشغلون بالحياة الدنيوية، منكبون على جمع الأموال ومالها من ماديات هي في الأصل فتنة. يفضلون التحرر على الفهم، ولعلهم لو توقفوا للحظات لأيقنوا أن خوفهم من الأرواح والأشباح وأطياف الموتى الذين يحرقون لهم الأموال كل عام لتصلهم في السماء لهو دليل مباشر على وجود الله تعالى، لأنه أين تلك الأرواح الآن إلم يكن هناك شيء بعد الموت! وإن كان هناك شيء بعد الموت فمن المتحكم به؟ وإلى أين يصير من كان؟ ولم تتعلق بعض الأرواح بهذه الحياة؟ ويبدأ سيل الأسئلة يتدفق، لكنهم ما يزالون يعاندون بحجة أنه تعالى لا يُرى، وهذه الحُجة قصور عقل وتعنت سخيف.

متناسين أنه قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد… وينكر الفم طعم الماء من سقم.

انظر إلى ما قال أنا كساغورس:

«يوجد في الطبيعة نظام وانسجام لا ينحرفان ولا يختلفان، ولا يمكن أن يوجد هذا إلا حين تكون هناك غاية محدودة، وكل رمي إلى غاية محددة يستلزم بالضرورة عقلًا، وهذا يثبت أن للطبيعة علة عاقلة».

لكننا لن نتحدث كثيرًا عن وجود الله تعالى، لأنه لا يمكن لمن لا يدرك ما يرى أن يلحظ ما لا يُمكن أن يُرى. وكوننا بشرًا فهذا معناه أننا على قدر ضئيل جدًّا من الإدراك. بل سنتحدث عن تلك الغاية التي ذكرها أنا كساغورس في مقولته آنفة الذِكر للاستدلال بها على وجوده تعالى بصورة بدائية، وهو شيء يثبته العقل ويمكنه أن يبرهن عليه بلا أي معاناة، ألا وهو اليوم الآخر.

فكل قصص وآثار الأمم السابقة التي ذكرت في مختلف المراجع تُظهر تباعًا أن الدنيا هي مسرح الأحداث فقط وليست هي دار الحساب أو محل دفع الضريبة أو هيئة تلقي الجزاء. هي مسرح عرض الحق والباطل، وميدان المعركة بين الخير والشر، والكل فيها مخيَّر يفعل ما يشاء، لكنه لا بد أن يتذكر أنه محاسب على كل فعل، وبم أن هناك اختيارًا، فلا بد أن نؤمن جميعًا ونعترف بأنه يمكن للحق أن يبهت أحيانًا وينتصر الباطل أحيانًا أخرى، ويمكن أن يستشري الشر ويتسع ولا يترك مكانًا للخير في بقاع كثيرة، حتى يظن الناس أنه ليست للحق صولة ولا للخير قوة.

لكن بتعاقب الأزمان ومرور السنون، يوقن كل إنسان أنه لا بد من يوم ترد فيه المظالم، فيعترف القاتل بقتله، والظالم بظلمه ويقر المعذِب بعذابه والمتكَبر بكبره، ومنتهك الحرام بفعله ليأخذ كل ذي حق حقه، ويطمئن الناس أنهم لن يؤخذوا بذنب لم يقترفوه، ولا عدل أقاموه، أو خطأ لم يأتوه. ولولا يوم الحساب لاستفحل الشر وشاع سيطه ولذهب كل الخير هباءً ولأصبح كل الحق سُدى، لكن الفطرة والعقل ينفيان ذلك، وعليه فيوم الحساب حق، وبأحقية يوم الحساب يثبت وجود الله تعالى، لأنه ما من حساب بلا مُحاسِب.

فإذا أيقنت أن الله تعالى موجود فاعلم أنه سائلك، وإن عرفت أنه سائلك فأعِد للمسألة جوابًا.

ولا شيء يمكن أن يجعل الإنسان مطمئنًا في الحياة رغم عبثيتها وقسوتها وفرط الابتلاء فيها سوى اليقين بأن الله تعالى يرى، موجود يعلم السر وأخفى، يدرِك خائنة الأعين وما تخفي الصدور..

وقد كان الإمام الشافعي، رحمه الله، يقول في مناجاته:

قلبي برحمتك اللهم ذو أُنس… في السر والجهر والإصباح والغلس

وما تقلبت من نومي وفي سنتي… إلا وذِكرك بين النَفس والنَفَس

لقد مننت على قلبي بمعرفةٍ… بأنك الله ذو الآلاء والقُدس

وقد أتيتُ ذنوبًا أنت تعلمها… ولم تكن فاضحي فيها بفعلِ مُسي

فامنن علي بذكر الصالحين ولا… تجعل على إذًا في الدين من لبَس

وكن معي طول دُنياي وآخرتي… ويوم حشري بما أنزلت في عبسِ

وإن كان أصحاب العقول والتعليم والعِلم والفهم ينفون وجود الله تعالى مكابرين رُغم وجود كل تلك الأدلة، فذاك الأعرابي الذي سُئل في البادية بم عرفت ربك؟ لهو أعلم وأعرف وأفهم منهم. لأنه قد استدل بوجود الحوادث على وجود مُحدِث، فكل فعل يقتضي فاعل وكل حدث يقتضي وجود مُحدِث. فكان قوله: الأثر يدل على المسير، والبَعْرَة تدل على البعير، فسماء ذات أبراجٍ وأرض ذات فجاج وبحارٌ ذات أمواج ألا تدل على أن هناك سميعًا بصيرًا؟ الجواب: بلى.

فسبحانك ربي ما أحلمك على منكري وجودك، وأنت واهب الحياة ومقدر الموت.. سبحانك قادر على العذاب بنفس قدرتك على الرحمة، فعال لما تشاء لا يُرد قولك ولا يطلب المدد إلا منك.

دُمتم في معية الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد