يكثُر الحديثُ حول الاستثمار المعرفي كمحور أساسي في عجلة التقدم وازدهار الحضارات، حيث تتنافس الدول العظمى في تقديم الجهود الجبارة في تطوير حقل الدراسات ومراكز البحوث العلمية، لاسيما ونحن في عصري المعرفة الرقميَّة والذكاء الاصطناعي، وبالتالي لو عُدنا خطوة للوراء لنتأمل تأريخ هذه الدول المتقدمة معرفيًا؛ سندرك بكل عناية أنها مرَّت من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي؛وذلك لأهمية الصناعة التي فاقت الزراعة، وصارت مواكبة للاحتياجات البشرية، حيث لم تتوقف عجلة التقدم إلى هنا فحسب، بل انتلقت الى العصر المعرفي، والذي يُعد هو العصر الفريد من نوعه.

إلا أن ثمة تساؤل يجول في بال الكاتب عن ماهية الاستثمار المعرفي، وفيما تتمحور أهميته؟

فالاستثمار المعرفي: هو توظيف المعرفة في شتى مجالات الحياة التي تحتاج إليها البشرية لتحقيق المنفعة المشروعة على المجتمع والمستثمر، وتعزيز نمو الدخل القومي المعرفي.

وأما من حيث محور الأهمية فإنه يُعد مقياسًا أساسيًّا في تقدم الدول وتطويرها.

ومع كل هذا الاهتمام الذي تسعى إليه الدول المتقدمة، فإن الدراسات الإحصائية أثبتت لنا أن نسبة الأموال التي أنفقت في سبيل البحث العلمي عام 2018، حيث كانت أمريكا في الصدارة فقد أنفقت أكثر من 476 مليار دولار، تلتها الصين أكثر من 370 مليار دولار، ثم في المركز الثالث اليابان أكثر من 170 مليار دولار، وفي الرابع ألمانيا حيث أنفقت أكثر من 109 مليارات دولار، ولو قرَّبنا الصورة قليلًا، وسلطنا الضوء على البلدان العربية سنجد أن السعودية أنفقت أكثر من 12 مليار دولار، تلتها مصر أكثر من 6 مليارات دولار، ثم الإمارات أكثر من 4 مليارات دولار..
فهذه الأرقام المذكورة لم تكن وليدة الصدفة، أو جاءت في ظروف استثنائية، بل هي انعكاس لوجود استراتيجية تحمل في ذاتها أهمية دور العقل والمعرفة في التطور والارتقاء، ففكرة البقاء للأصلح هي أساس الفهم الواسع، فما نراه في أمريكا من قيادة العالم، وصاحبة القرار الأكثر حظًّا هو دليل قاطع على نموها المعرفي في شتى المجالات التي تخدم البشرية.

وليكن لنا نظرة على سبيل المثال إلى أكثر شركات العالم ثراء في الوقت الحالي، حيث إننا سنجد أن أثر الشركات في العالم هي تكنولوجية في الأصل، مثل (أمازون، ميكروسوفت، فيسبوك)… إلخ،
حتى لو دققنا النظر في أغنى رجال العالم لهذا العام سنجد أن الأول والثاني يعملان في مجال التكنولوجيا، فضلًا عن بقية الأفراد الآخرين.

من هنا يمكننا الجزم بأن الثروة المعرفية هي النجاح الأمثل لأي حضارة، وينبغي للحكومات العربية بالتحديد أن تسخِّر الكثير من الأموال من أجل مواكبة العالم، وخدمة البشرية، ما لم نفعل فإننا سندفع ثمن تأخيرنا ولو بعد حين؛ لأن مشكلتنا ما زالت تكمن في استنساخ التجارب، فبدلًا من أن تكون لنا تجارب رائدة في مجال الاستثمار المعرفي، صرنا نستورد هذه التجارب ونتفاخر بها، ونعتقد أن الغرب يخدمنا مقابل أموالنا، وهذا تفكير خاطئ؛ لأنهم يمتلكون المعرفة والقرار ويمكنهم أن يتحكموا بالقيمة السعرية عند حاجتنا لها، واحتكارها في أي وقت، وكل هذا ناتج من سوء تفكيرنا الخاطئ، وقصورنا المعرفي، والمخجل جدًّا أن جامعة هارفارد الأمريكية، تفوق ميزانيتها في البحث العلمي عن العالم العربي، حيث تنص التقارير على أنها تفوق المليار ونصف المليار.
ولا أخفيك أيها القارئ الكريم، أني قبل أسابيع اطلعت على فيلم وثائقي للمقدم السعودي أحمد الشُقيري- إحسان من المستقبل- وهو يتحدث عن سياسة المملكة العربية السعودية في التقدم التكنولوجي والمعرفي مما زادني تفاؤلًا وفخرًا بها إن صح كل ما سيُطبق على الواقع، حيث كان يتحدث عن تقدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بشكل مذهل، فتحدث عن:

1- استخراج الماء من الهواء عن طريق الطاقة الشمسية من خلال مصنع في الرياض.
2- تهيئة المناخ الزراعي للسعودية من خلال التكنولوجيا الحديثة.
3- مشروع تخرج لطالب سعودي بجعل الطاقة الشمسية بديلة عن البترول للسيارات.

4- طباعة بثلاثي الأبعاد للمنازل والأدوات المنزلية خلال ساعات.

5- ابتكار كبسولة بدلًا عن المناظير والعمليات أي يمكن للكبسولة أن تلتقط 55 ألف صورة لداخل جسمك عن طريق كاميرات ملتصقة بها.
6- تكنولوجيا ناتو والبرمجة التي هي العامل الأول في التقدم التكنولوجي.
7- تطبيق مرسول المعمول به في السعودية، وكشف الأرباح المحصودة منه.
كل هذه الإبداعات المعرفية ستكون على يد شباب سعوديين، على حد قوله، فإن صح ذلك سنكون سعداء بما سيتحقق للبشرية منا نحن العرب بعد أن كنا أمه مستهلكة ومستوردة.
مشكلتنا في البلدان العربية أن الحكومات تتيح للطالب الجامعي أن يتعلم؛ كي يبحث عن الوظيفة كهدف مستقبلي، ولا يُشجع المخترع ويُدعم كما في الغرب والدول المتقدمة، وما أروع من أن سطر أحد رؤساء جامعة هارفارد قائلًا: نحن نصنع الخريج الذي يخترع الوظيفة له، وليس الذي يجد الوظيفة فحسب، هنا استخدم لفظ نصنع ويخترع، ولم يستخدم نخرِّج ويبحث عن وظيفة.
ففي الحقيقة هم زرعوا مفهوم الاستثمار المعرفي وفتحوا الآفاق للخريجين ليبدعوا، لا كما نفعل نحن وللأسف الشديد.

إذن بعد أن تعرفنا إلى مفهوم الاستثمار المعرفي وأهميته، يمكننا أن نلخص السبب الرئيسي في معرفة عدم نجاحنا في الاستثمار المعرفي والذكاء الاصطناعي بالتحديد؛ وهو غياب مفهوم الاستثمار المعرفي في القطاعات التعليمية، حيث يتوجب على الحكومات العربية إعادة ترميم أُسس التعليم، وتوفير كل الوسائل والمعامل التي تواكب التقنية الحديثة؛ حتى تتحقق لنا نقلة حضارية نوعية يشهد لها الداني والقاصي، ولو بعد حين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد