وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون (سورة العنكبوت) الآية :43.

ذكرنا في المقال السابق، تحت عنوان الإدراك البديهي تجلياته وشروطه عن أهمية هذا المفهوم في الفكر الفلسفي وسقنا عدة أمثلة في هذا السياق بطريقة مبسطة لكي تصل الفكرة إلى القارئ بعيدًا عن الجدالات الفلسفية وتفسيرات المدارس النفسية التي تعتبر هذا المفهوم من الركائز الأساسية في علم النفس، ونظرًا ﻷهمية هذا المفهوم وامتداداته في الحقول الفلسفية والمعرفية فإن مفهوم الإدراك الطبيعي هو نتاج لمفهوم العقل الذي يعد من المفاهيم والمعاني التي شغلت الحقل الفلسفي وأيضًا الديني قديمًا وحديثًا.

وتكملة لما بدأناه سنتحدث في هذا المقال عن العقل الذي هو عبارة عن مجموعة من الاستعدادات والقدرات العقلية والفكرية والعادات الذهنية من خلال مجموعة من الوظائف والشروط، وسنسوق مثالًا في هذا الصدد، وهو من المفاهيم التي مرت بعدة مراحل عبر التاريخ الفلسفي وإنقسمت بشأنه عدة مذاهب وفرق بين مختلف الملل والنحل، وهو من أكثر المفاهيم شيوعًا وانتشارًا بعد مفهوم الإيمان.

التأكد من وجود العقل

العقل مطلق الجولان، حر يسرح أنى يريد، بل محدود ككل خواصنا اﻷخرى، فهو لا يستطيع أن يفهم أو بعبارة أصح لم يتوصل إلى اﻵن إلى حل الكثير من المسائل والفرضيات والتساؤلات، ليس فيما وراء الطبيعية (الميتافيزيقيا) فقط، بل في قلب النظام الطبيعي نفسه.
ولكي نتأكد من وجود العقل، بنفس الطرق التي نتأكد بها من وجود الضمير، والفلاسفة يضيفون له قوة لا تقهر ولا يستطيع أي إنسان أن يتعامى أن إشعاعها وامتداداتها المجالية، يقول الفيلسوف الفرنسي فرانسوا فنلون Francois fenélon عن العقل (أن من العقول ما هو وضاء كالشمس يظهر كل شيء، ولكن ليس مثلها، تخفي في إشراقها بعض اﻷجسام ولا يخبوا مطلقًا هذا العقل الوضاء ولا يتألم ﻷي سحب تحجب من نوره إلا إذا دفعتها ميولنا، فهو يتغلغل في أعمق عصور الهمجية وحشية وظلامًا، ولا يوجد إلا العيون المرضى، هي التي تتفاعل عن سناه، وهذا الضوء الذي يغمر الكائنات، يكتشف ويقدم ﻷرواحنا كل كائن ولانستطيع أن نحكم إلا به كما لانستطيع أن نرى اﻷجسام إلا تحت أشعة الشمس الوهاجة).
وقد وصف فنلون العقل بوصف جامع ودقيق من خلال الغوص في تفاصيل ما وراء طور العقل من خلال مجموعة من الشروط الطبيعية واﻹدراكية ويطلقون على العقل الكثير من الأسماء فهو العقل التجريبي عندما يدل على حقيقة خالصة نظرية أو علمية
وهي الذوق عندما يبحث في الفن والجمال ولها امتدادات كثيرة في الأدب الصوفي الإسلامي ومحيي الدين ابن عربي هو أكثر الفلاسفة الذي وصف العقل الذوقي وأبدع فيه وسار على نهجه الكثير من العرفانيين والفلاسفة. والعقل أيضًا هو الشعور العام عندما يوقظ فينا حقيقة أولية يعجب بها كل الناس وهو الإحساس الطيب إذ ميز الصواب من الغلط.

المعرفة والحقائق الأولية

كل إدراك عقلي يطلق عليه الفلاسفة معرفة ويراد به الأفكار الضرورية العامة، التي تعتبر قاعدة عامة لكل أحكامنا، فالعقل يستشف ويستنتج معارف أولية، بمناسبة ما يقع تحت الحس، أو يمر بنا في تجربة والأفكار كالسلسة يجر بعضها بعضًا، أو كعقد في عنق امرأة حسناء، مرصع بحبيبات اللؤلؤ أو الأحجار الكريمة في تناسق تام بينها، صفة وطبيعة، وكأنها جزء من المرأة، زادتها إشراقًا وبهاء وحسنًا.
فمثلًا إذا سمعت بمصرع شخص ما، يأتي العقل في الحال ليبحث عن القاتل (فكرة السبب) والدافع إلى القتل (المقصد أو النية)، وفي أي الأحوال والظروف تمت هذه الجناية (الزمان والمكان ) وما قيمة العقاب في هذه الجريمة (النطاق الأخلاقي) ونتائج هذا الجرم، فهذه الأفكار الأولية تظهر مباشرة نتيجة لاستعمال العقل.
على أن هذه الحقائق وإن كانت أولية إلا أنها ضرورية توصل بها إلى بعدها، فتنشأ وتولد تأكدًا فحكمًا فعدالة.
ويرى أغلب الفلاسفة أن للمعرفة الأولية أصولًا يجب تحقيقها، هي فكرة الوجود الخارجي لشيء، وجوهره والسبب فيه والغاية منه وتحديده أو عدم تحديده والزمان والمكان، ففكرة الوجود تعطي للكائن الموجود بالفعل أو بالقوة.
فالموجود فقط هو الذي يمكن أن يأخذ موضوعًا للمعرفة، فالعقل لا يستطيع أن يسلم بالعدم المحض، ولا بالتجريد المطلق، أو هذا الذي لم يوجد ولا يمكن أن يوجد وفكرة الجوهر في الموجود أيا كان روحيًّا أو ماديًّا، يجب أن تكون واضحة ومعينة، تساعده على تفهمه وتميزه عن الكائنات الأخرى، والجوهر الكائن ما يلزمه أن يكون بعيدًا عن التغييرات التي تتبدل في كيانه، وتحيله كائنًا آخر مستقلا عن غيره، فاءذا تبين الجوهر لكائن ما، إشتقنا وتطلعنا لمعرفة السبب في وجوده، وهذا السبب هو الذي دفعنا إليه، التفكير في وجود الكائن، نستطيع أن نسميه ضروريًّا لدلالة الموجود عليه، لأنه لا يعقل أن يوجد بدون سبب، وعن التفكير الأول تنشأ أفكار أخرى نسميها الأفكار الثانوية.
وعليه فكل حادث أيا كان، مفروض أن له سبب وغاية، والغاية هي القصد الذي ينتهي عنده العمل وهو المبرر لوجود الكائن، يدفعنا هذا إلى عدم الاقتصار على كائن واحد يستحوذ على تفكيرنا، بل يحرضنا أن نرى غيره من الكائنات المحددة التي نتشارك معها البيئة والتي توحي إلينا من خلال المقارنة، فكرة انفراد موجودها فقط بالكمال، بحيث لا يكون على غرار كائناته الناقصة، فنوجد في تلابيب أفكارنا كائنًا بدون تحديد، تامًا في كل درجاته إلى صلة التسيطر على الكائنات الأخرى، موجود بطهارته الخالصة، كل هذه الخواص والمميزات تنتج لنا فكرة وجود الله سبحانه وتعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد