منذ تسلم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والعالم يشهد حربًا ناعمة مع إيران على جميع الأصعدة، بدأ التطرق إليها أثناء لقاءات الرئيس ترامب وأحاديثه مع وسائل الإعلام الأمريكي، ثم تطورت إلى تصريحات صدرت منه شفهيًّا ورسميًّا، أو على شكل تغريدات على موقع «تويتر»، والعالم يشهد منذ ذلك الحين موجات من التصعيد وفرض العقوبات المتتالية على شكل حزم، آخرها أفقد إيران ثقلها الاقتصادي، وجعل العملة الإيرانية في أسفل التصنيف المالي.

أما على صعيد الحكومة الإيرانية، بقيادة المرشد الأعلى آية الله خامنئي، فهي تحاول أن تقاوم وتقاوم، وتبرز أن الحكومة والشعب لا يمكن أن يهزم أمام موجة التصريحات والعقوبات رغم الأزمة الاقتصادية العصيبة التي يمر بها الشعب الإيراني.

كانت سياسة الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، أكثر نعومة ودبلوماسية من الرئيس الحالي، ولمدة ثماني سنوات استطاعات إيران أن تتنفس الصعداء وتوظف هذه المدة في تطوير ترسانتها العسكرية، وإعداد منظومات جديدة من أجهزة الطرد المركزي وتخصيب اليورانيوم، اعتمادًا على الاتفاقية الأمريكية– الإيرانية حول نسب التخصيب المسموح بها.

تلت هذه الفترة التي يصح أن نسميها فترة ذهبية للنظام الإيراني فترة الحكم الجمهوري للبيت الأبيض، والتي تمثلت بالرئيس ترامب. تطايرت أشلاء الاتفاقية خلال مدة قياسية، وانهمرت على النظام الإيراني حزم عقوبات تكاد تكون الأقسى منذ انطلاق أولها.

بلا شك يعد العراق لاعبًا رئيسيًّا في كل حدث من الأحداث التي حصلت في المنطقة، حيث يلعب العراق دورًا مهمًّا في حدة التعامل الدبلوماسي والعسكري بين الطرفين الأمريكي والإيراني، وللقرب الجغرافي والعقائدي بين إيران والعراق، استطاعات إيران أن تبني لها مرتكزات ونقاط قوة بدأت اقتصاديًّا، وتمثلت في التعامل الاقتصادي بين البلدين،  فتمكنت من أن تصدر وتلبي جميع متطلبات الشعب العراقي واحتياجاته، وحتى على مستوى الحكومة، وتطور الأمر إلى إيقاف جميع المعامل والمصانع العراقية، وإيقاف الصناعات الوطنيةَ بدافع من حكومة طهران على الساسة في الحكومة العراقية.

أما على الصعيد العسكري، وهو الأهم والهدف الرئيسي للحكم الإيراني، فقد استطاعات طهران أن تبني حركات وقوى عسكرية كانت وما زالت هذه الحركات (الفصائل المسلحة) يد المرشد الأعلى في الوصول إلى أي جزء من العراق، وتحقيق أي هدف ممكن أن يخدم ويصب في مصلحة النظام الإيراني، والعراق حكومة وشعبًا يعي كل هذا.

وظف النظام الإيراني فصائله المسلحة، التي يعد بعضها جزءًا مهمًّا جدًّا من تشكيلات الحشد الشعبي الذي ظهر بعد سقوط الموصل في يد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الإرهابي، وظفها للتحرك ضد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى وجه التحديد القواعد العراقية التي يتمركز فيها الجيش الأمريكي والمستشارون وغيرهم من قوات لحكومات أخرى انضوت تحت التحالف الدولي لمحاربة تهديد الدولة الإسلامية في العراق والشام، بقيادة الولايات المتحدة.

بعد عملية التحرير من تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق» كان من الأرجح حل التشكيلات العسكرية والفصائل المسلحة التابعة للنظام الإيراني، لكن حصل العكس؛ فقد أصدرت الحكومة العراقية أمرًا بدمج هذه التشكيلات العسكرية بشتى تسمياتها وفصائلها، وبغض النظر عن الجهات التي شكلتها، إلى صفوف الجيش العراقي ومؤسساته العسكرية، وهو الخطأ الأول الذي اقترفته الحكومة العراقية.

رغم التحذيرات الدولية التي وجهت إلى الحكومة العراقية فإنها لم تذعن، وكان للنظام الإيراني دور مهم في هذه الخطوة.

تمثلت نتائج هذه الحركة بعد عدة أشهر من تفرغ هذه الفصائل المسلحةَ، إذ لم يعد هنالك تنظيم «الدولة الإسلامية»، ولا توجد معارك لخوضها، وهنا بدأ الدور الإيراني من جديد، وبدأ توجيه تعليمات لبعض هذه الفصائل بالتحرك ضد القواعد العراقية التي أشرت إليها سابقًا.

مجرد التفكير في أمر الحرب بالنيابة لفرض سيطرة وهيمنة دولة على منطقة ما، ومهاجمة مصالح دولة أخرى في المنطقة نفسها، يعد أمرًا غير مقبول دوليًّا، ويدعو إلى تدخل أممي في الأمر لحلحلة الأزمة، لتلافي أي تصعيد قد يؤدي إلى حرب عسكرية بين البلدين.

لكن في أزمة إيران والولايات المتحدة لم يحدث أي تدخل جدي وفعلي لحل الأزمة، بل دعت الأمم المتحدة إيران إلى سحب نفوذها وتمويلها فصائل مسلحة تنفذ مخططات تخدم الحكومة الإيرانية.

لم تذعن طهران إلى كل هذه الدعوات والتحذيرات الأممية، وحتى من مسؤولين سابقين في الحكومة الإيرانية، واستمرت في تنفيذ مخططاتها الرامية إلى محاربة المصالح الأمريكية والشركات، وقصف القواعد العراقية التي يوجد فيها الجيش الأمريكي مع قوات متعددة الجنسيات، فقط لغرض مكافحة أي نفوذ لحكومة أخرى قد تعكر مخططات الحكم الإيراني.

قد يكون هنالك رأي مغاير لما ذكرته يقول «إن إيران ساعدت العراق في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ولها حق الوجود»، وهذا بالفعل كلام واقعي، لكن إيران استغلت هذه الثغرة الأمنية لكي تحكم قبضتها أكثر من خلال تسليح فصائلها ومنح الصفة القانونية لحملهم السلاح واستخدامه ضد أي جهة تعارض المخطط الإيراني، سواء كانت جهات أجنبية أو حتى عراقية.

من جانب آخر، استغلت الولايات المتحدة وجودها بعد محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق» لكي تقضي أو تقوض النفوذ الإيراني في العراق والمحافظة على الجنود الأمريكان في القواعد العراقية وبعض المستشارين العسكريين، إضافة إلى ذلك المحافظة على أمن البعثة الدبلوماسية في العراق وسلامتها، وهي الأهم.

في الخاتمة، أود أن أعرض حصيلة لأعداد القوات الأمريكية الموجودة في العراق، وحسب ما صرحت به السفارة سابقًا، وكذلك موقع «عراق ULTRA»، فإن أعداد القوات الموجودة في العراق هو: 6 آلاف، بين جندي ومستشار عسكري، موزعين على ثماني قواعد عراقية.

هو عدد يعد ضئيلًا، مقارنة بالفصائل المسلحة التابعة لإيران؛ إذ بلغ آخر رقم للفصائل المسلحة بحسب آخر إحصائية لموقع قناة الـ«BBC» البريطانية، حوالي 130 ألف جندي، وما يقارب 50 تشكيلًا عسكريًّا، وهو رقم قابل للزيادة. فقد تعددت مسمياتها وأصنافها، ووصل الأمر إلى تكوين فصيل عسكري بقيادة امرأة في الموصل.

سلامنا الداخلي وحياتنا الكريمة هو غاية كل الشعب العراقي، بعيدًا عن كل النزاعات الخارجية التي تجري في العراق، وحرب تصفية الحسابات، وضرب المصالح، واستغلال الدين والعقيدة للسيطرة على عقول البعض لغرض استخدامهم عسكريًّا هو أمر مرفوض وخارج عن كل الأعراف الدولية المتعارف عليها، ويعد إساءة استخدام للسياسة وتشويهًا لحقيقة أن الشعوب لها الحق في تحديد مصيرها ومستقبلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد