قد يبدو من البداية أن هذا الفيلم يدور حول الحرب، فاسم الحرب الباردة لم يكن مقصودًا به الحرب بين الشيوعية والليبرالية، إلا في جزئه التاريخي البسيط، فالحرب هنا حرب داخلية في رؤية الحب، وحرب ذاتية داخل طرفيّ العلاقة التي يدور حولها الفيلم.

يبدأ الفيلم في بولندا في أواخر الأربعينات؛ إذ يجري ملحن بولندي جولة في الريف لاختيار مجموعة من الأشخاص لتقديم أغاني فولكلورية من الريف البولندي. هنا تبدأ قصة الحب بين الملحن وبين إحدى المغنيات المتقدمات للانضمام إلى الفرقة.

بعد العرض الأول، وفي أثناء تطور الفرقة يبدأ المد الشيوعي في فرض سيطرته على بولندا، ينقل الكاتب ما يدور في البلد سياسيًّا من خلال تدخل القيادات الشيوعية وطلبهم من الملحن بعد نجاح عرضه الأول أن يقدم عروضًا تدعو لأيديولوجيتهم، وبالرغم من رفضه الداخلي، لكنه سيخضع ويقدم عروض عن ستالين والشيوعية.

أما عن الحرب الداخلية في العلاقة فتبدأ بعد اتفاقهم على الهروب سويًّا خارج بولندا؛ بسبب عدم أريحيتهم مع الفروض الشيوعية على عمل الملحن، لكنها لن تذهب إليه، وسيضطر هو للسفر وحيدًا إلى باريس.

من البداية يعطينا المخرج تلميحًا قويًّا عن شخصية المرأة والرجل في الفيلم، فالمرأة من البداية مشتتة وخائفة من الدخول للاختبار منفردة، بالرغم من معرفتها بأغنية، لكنها خافت أن تقدمها منفردة في البداية، فأرادت أن تشترك مع أخرى.
والملحن الذي ينجذب لها بسبب الطاقة والإحساس في غنائها، وكان هذا هو الأساس الأهم من أن صوتها نقي. هذه النظرة النافذة لعمق الأشياء ورؤيتها بطابع إنساني مختلف، كانت هي سمة الملحن.

أفضل اللحظات في هذا السيناريو، هي اللحظات التي تتبع كل قفزة طويلة بالزمن، إذ تجد أن الحوار يختزل الزمن في النقطة الراهنة، مثلما حدث عندما تقابلوا في باريس بعدها، لم يختزل هذا الحوار الزمن فقط، لكنه قطع شوطًا كبيرًا في رسم الشخصيتين الرئيسيتين. فالرجل تأقلم على المعيشة في باريس، ولم يعد بولنديًّا، لكنه في داخله ظلت هويته متمسكة بالمرأة التي أحبها، وظل ينتظر قدومها كل يوم، هذه الرؤية الفلسفية للهوية وربطها بالطرف الآخر للعلاقة ستستمر في تطور إلى نهاية الفيلم. «عالج كونديرا هذه النقطة في روايته الهوية».

أما هي فقد رسم هذا الحوار دواخلها بدقة شديدة، عندما سألها عن سبب عدم قدومها، أخبرته بأنها شعرت أن علاقتهم ستفشل، لم يكن ردها نابعًا من عقلانية بأن خطة هربهم هي الفاشلة، لكنه نابع من عدم ثقتها بذاتها، وشعورها بالتذبذب وفقدان هويتها في الآخر، فأوضحت له أنها ترى أن فشلهم سببه أنها أسوأ منه، وتنهي كلامها بأنها ما كانت لتفكر بالهرب لو لم يكن هو موجودًا، وهنا تكمن العبقرية في رسم دواخل الشخصية من خلال حوار صغير، نرى هذه الشخصية تشعر بالتمزق الذاتي ما بين شخصيتها وشخصية حبيبها، فقد أخذتها عدم ثقتها بنفسها إلى حد الشعور أن حبيبها أفضل منها، وأن شخصيته طغت على شخصيتها هي، فلم تعد تملك من أمرها شيئًا، وهو أسوأ شعور قد تشعر به امرأة، يجعلها هذا تحاول التمسك بذاتها وإثبات هويتها، وهو أهم لديها من الشعور بالحب، فإذا فقد المرء ذاته لن يصبح للحب معنى.

في قفزة أخرى نصبح في يوغسلافيا في 1955، حيث ذهب الملحن ليرى عرضًا للفرقة الفلكلورية التي كانت تغني فيها حبيبته، فيجعله هذا يصطدم بالمنظمين الشيوعيين فيقبضون عليه ولا يعطونه فرصة للقائها، ويرحلونه إلى بولندا ومنها يسافر إلى باريس مرة أخرى.

هنا يبنى الكاتب جزءًا مهمًّا آخر من شخصية الملحن، وهو تمسكه بحبه، من الصعب أن تجعل من هو في مثل شخصيته أن يتخلى عن حبه بسهولة؛ لأن قراراته التي أخذها ستصبح لا معنى لها إن أقنع نفسه بأن حبه كان خطأ، وهذا مدمر له أكثر من أي شيء.

والمشهد اللاحق في باريس 1957، تأتي إليه المرأة نادمة على أنها جعلت علاقتهما تصل إلى هذا الحد. في هذا الجزء الكثير من التعقيدات، هذا الجزء بأكمله حرب باردة من نوع يفوق كل مراحل الرواية. فبعد أن يعيشا سويًّا وينسجمان مرة أخرى، يساعدها الملحن في الوصول إلى منتج لتسجيل أغنيتها على أسطوانة ومساعدتها في الانتشار، لكن الصراع بداخلها ما يكاد يبرز حتى مع نجاحها المهني، فقد رأت أن حبيبها تطبع بالبرود الباريسي، ولم يعد مثل ما كان في بولندا، ومشكلة عدم الثقة تبرز مع أول أسطوانة سجلوها، لم تتقبل هذا الانتصار؛ لأنها شعرت بزيفه، بأن المنتج وافق على التسجيل، ليس بناءً على موهبتها، ولكن لما حكاه حبيبها من قصصها القديمة المثيرة للتعاطف منها. وفي اليوم التالي رجعت هي إلى بولندا وتركته.
هنا تحولت المشكلة لصراع بين الاثنين بعضهما وبعض، المرأة بتذبذبها، والرجل بتغير طباعه ومبادئه الأولى.

في المشهد اللاحق نراه يطلب من السفارة العودة إلى بولندا، بالرغم من أنه لو عاد سيعود إلى السجن لهروبه منها، لكنه يتخذ قراره بالعودة بعد أن فشل في الوصول إليها. هنا نرى التجلي الأكبر لمعنى الهوية، بأنها الانتماء إلى شخص محدد يفقد الآخر ذاته من دونه، فكان اختيار فقدان الحرية هنا أهون من فقدان الذات.

المشهد اللاحق في بولندا 1959، مقابلة في السجن، تدرك عندها «زولا» مدى خطأها، وتدرك رجوع حبيبها لها لكن بعد التخلي عن شيء.

القفزة الأخير في هذه الفيلم هي الأطول والأهم، إلى عام 1964، وبالرغم من أنه قفز بنا خمس سنوات، لكن لا نشعر بأي خلل، إذ إن الحوار الأول بعد هذه القفزة يختزل السنوات الفائتة. يبدأ المشهد بها تغني على المسرح، وبعد الانتهاء من الغناء تترك زوجها وتذهب لتعانق حبيبها، وعندها تأمره أن يأخذها بعيدًا، إذ تبدو للمرة الأولى واثقة مما تريد.

يختتم المخرج الفيلم بمشهد عبقري مشابه لمشهد البداية، مع اختلاف أن البداية كان الزعيم الشيوعي يدخل إلى أطلال كنيسة، في إشارة رمزية رأيت أنها تمثل تمهيدًا للاحتلال الشيوعي لبولندا، وإحلال الديانة الشيوعية الديكتاتورية. وفي النهاية نجد الحبيبين يدخلان إلى الكنيسة نفسها ليعلنا نفسيهما زوجين لا يفرق بينهما سوى الموت، لينتصر الحب ولو كان انتصارًا صغيرًا. فعندما ينتهيان يتقاسمان مجموعة كبيرة من الحبوب.

يظهر الاثنان في النهاية جالسين سويًّا في كادر من أجمل كادرات الفيلم إلى أن تقول له: «تعال إلى الجانب الآخر، سنرى مشهدًا أفضل من هناك» لتظل الكاميرا في مكانها ويذهب الاثنان إلى الجانب الآخر.

أكثر ما لفت نظري في القصة وطريقة سردها كانت القفزات الكبيرة بين الأماكن والأزمنة دون حدوث أي خلل، فالقفزات تتخطى أعوامًا، وعندما نكمل المشهد التالي تشعر أن تفاصيل الأعوام سردت بشكل ما في الحوار اللاحق، فالزمن هنا كان متحررًا من التتابعية اللازمة لإكمال القصة، فالقصة مكتملة من داخل شخصياتها.

ولأن هذا ليس مقالًا نقديًّا، بل مجرد هوامش ذاتية لن أعلق كثيرًا على الإخراج وكيفية تعامل «بافليكوفسكي» مع السيناريو، وكيفية تسخير الكاميرا للإيحاء الشعوري ولإيصال المعنى. تظل القفزات الكبيرة في القصة دون خلل، والحوارات بين الاثنين هي أكثر ما لمسني شعوريًّا في هذا الفيلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد