يقف.. يبتل.. يرتعش قليلاً.. ثم يشعر بالإنجاز. يشعر أنه بقوته وصلابته قد فعل شيئاً صعباً. أتحدث عن.. تحدي دلو الثلج The Ice Bucket Challenge الذي قام به الكثيرون حول العالم ونشروا مقاطع فيديو شاركها وفضلها وعلق عليها الملايين. كان هذا جزءًا من حملة تهدف لجمع التبرعات والتوعية بالمرض. “مرض إيه بقى؟ حد يعرف؟”

الكثيرون عرفوا عن هذا التحدي، ولكن كم منهم تبرعوا؟ وكم منهم عرفوا عن المرض؟ لا تستعجب إن سألت أحدهم فأجابك بأنه مرض الثلج العصبي، أو أن يقول آخر “شوفت فيلم بينجامين بوتون .. أهو ده بقى المرض”.

البعض قد يرى في هذا دليلا على نقص وعينا أو ثقاقتنا أوضعف تعليمنا ومعرفتنا، ولكن ثمة مشكلة أخرى تظهر لنا؛ إنها الطريقة التي نتعامل بها مع التكنولوجيا، وكيف يتطور سلوكنا وأنماط تفكيرنا. لا أخفي خشيتي أن أرى بعد عام أو اثنين من الآن تحول حملات التبرع لمساعدة مرضى السرطان ولأبحاث تطوير علاجات أفضل وأكثر فعالية ضد المرض، أن تتحول لحملة على (فيس بوك وإنستجرام) حيث ينشر الناس صور لروؤسهم بعد أن قاموا بحلاقة شعورهم تضامنا مع مرضى السرطان وما يعانونه من أعراض جانبية للعلاج الكيميائي. قد تكون لافتة طيبة، ولكن هل هذا حقاً ما نحتاجه؟

 

المشكلة في التضامن الافتراضي ليست فقط في أنه لا يعود بالفائدة على المرضي كونه لا يسرع من شفائهم أو يساعد علاجهم. فزيارة المريض ومحاولة مساعدته أن يتناسى آلامه ومعاناته ولو لبعض الوقت قد لا تكون هي الأخرى علاجاً، ولكن يبقى بها ذلك الجانب التشاركي الإنساني، ذلك الخيط الروحي الذي يربطنا جميعاً. إنه أكثر الأشياء سحراً وتعقيداً في طبيعتنا الإنسانية، إنه ما يجسد مشاعرنا وما يُعرِف إنسانيتنا.

الخوف أن نفقد ذلك الجانب ونهمله أو نتناساه. أن تحولنا التكنولوجيا لكائنات كل أفعالها رمزية وسطحية، لا تفكر في جدوى أو أثر جُل ما تفعله. نتحول لكائنات مخوخة، مفرغة من الشعور، تكتفي بإرسال ومضات وإشارات لمشاعر مزيفة عند الحاجة. نتحول مع ضغوط الحياة إلى روبوتات لا تقدر قيمة التواصل الإنساني، وغير قادرة عليه، ولا تفهم أهمية مشاركة من نحبهم في أفراحهم وأحزانهم، خاصة إن كان بالإمكان الاكتفاء بتهنئات أو تعزيات إلكترونية، فبإمكاننا دائماً أن نرسل ابتسامات صفراء “حرفيا” أو قبلات، أو دموعًا أو حتى قيئًا. صدقوني نحن لسنا بعيدين جداً عن هذا السيناريو.

 

– مشهد تعبيري
بعد أن أطفأ شموع كعكة عيد ميلاده، نظر لصديقه الواقف بجانبه الذي قام بتهنئته وعناقه، وقال له “بس أنت مكتبتليش على الـwall !!!”

 

علينا أن ندرك أننا من نَصنع التكنولوجيا ومن أجلنا تُصنع، نحن من نتحكم فيها، وليست هي التي تصنع حياتنا أو تشكل أفعالنا. نحن لسنا مجبرين أن نفعل شيئاً ما أو فعلاً ما، أو نستخدم برنامجاً أو موقعاً فقط لأنه تقليعة أو Trending.

 

ضحك  1

لسنوات طويلة ومنذ عقود شكلت ألعاب الفيديو وسيلة التسلية المفضلة للكثيرين. لقد أصبحت جزءاً من وجدان وثقافة الملايين. ولكنها كانت أيضاً مثار انتقاد وشكوى من البعض. النقد كان مبنياً في الأساس على تحول نشاط الكثيرين سيما الأطفال، من نشاط حركي لجلوس بلا حراك يمتد لساعات طويلة أمام الشاشات. بعض الآباء يئسوا من إبعاد أبنائهم عن الشاشات، فكانوا يكذبون ويحذرونهم من أنها قد تصيبهم بالعمى، ولكن الأمر ليس فقط في أثر الشاشات على العين.

 

بل القلق من سيناريو آخر وهو أن نتحول لكائنات رخوة لا تبارح مكانها كتلك التي رأيناها في فيلم Wall.E أن نكون ورغم أننا نتعاطف مع من أقعدهم المرض ومنعهم من نعمة حرية الحركة – التي لا شك هم أكثر تقديرا لها- نكون غير قادرين على استغلال وتقدير تلك النعمة، كمن يسلب نفسه تلك النعمة باختياره الحر.

 

النشاط الحركي والبدني الذي يقوم به الأطفال يلعب دوراً كبيراً في نمو وتطور أجسادهم وبناء العظام والجهازين العضلي والعصبي، ويقيهم السمنة المبكرة وينشط الدورة الدموية، بل ويلعب دوراً في النمو العقلي والتكوين النفسي للأطفال. هذا الكلام حقيقي وعلمي وليس (إسكربت) كتبته لإعلان حفاضات أو لبن أطفال. ولكن جدير بالذكر أنه وعلى النقيض، هناك دراسات علمية أكدت أن الأطفال الذين لعبوا ألعاب الفيديو والكمبيوتر تكونت لديهم مهارات عقلية وقدرات أكبر على الاستجابة السريعة و على حل المشكلات.

 

ولكن منذ سنوات ظهر نوع جديد من الألعاب الإلكترونية. هل كانت تهدف للبحث عن بديل للجلوس لساعات من أجل اللعب، أم البحث عن تقديم منتج جديد متميز قادر على البقاء في سوق شديدة التنافسية، قد نختلف في تفسير دوافع ظهور منتج جديد من ألعاب “الننتندو” التي قدمت شكلاً جديداً للعب يتضمن حركة ونشاط بدني من اللاعبين في ألعاب أكثر تفاعلية. وأصبحت الشركات تتبارى في طرح منتجات شبيهة بجانب الألعاب التقليدية.

 

ثمة دراسات علمية أخرى عن عدم جدوى هذه الألعاب كنشاط بدني واستحالة اعتبارها بديلا للنشاط الرياضي. ولكن الأمر لا يتعلق بمدى إمكانية اعتبار ألعاب الننتندو رياضة أم لا. ولكن بإمكاننا أن نرى صورة ولو تقريبية عن كيف يمكننا أن نحدد مسار التطور التقني والتكنولوجي بحيث تكون التكنولوجيا أكثر تلاؤماً معنا وأقدر على تلبية احتياجاتنا التي تتطور وتزداد تعقيداً بمرور الوقت، كيف بإمكانها أن تجعل حياتنا أفضل وليس فقط أسهل أو أسرع.

 

التكنولوجيا بالفعل اليوم تقدم أو قادرة على أن تقدم مساهمات كبيرة لتحسين مستوى وجودة حياة الإنسان في كل أنحاء العالم، أكثر بكثير مما فعلت في أزمان ماضية. هي اليوم قد تساعد إنسانًا يعيش في منطقة نائية أو لا يملك ما يكفى من المال أو القدرة على الذهاب للمدرسة أو الجامعة، أن يتعلم مجاناً بل ويحصل على شهادات جامعية، كل ما يحتاجه فقط هو جهاز متصل بالإنترنت. بإمكان التكنولوجيا أيضاً أن تستمر في صنع حياة أسهل وتساهم في تقديم خدمات أفضل وأن تساعد الحكومات والمجتمعات على مساعدة الفقراء وهؤلاء الأقل حظاً.

 

التكنولوجيا أيضاً طورت شكل التسلية. البعض لا يزال يذكر كيف كان مجبراً على سماع الموسيقى التي يختارها القائمون على الإذاعة ومشاهدة ما يعرضونه على قنوات التلفزيون. وقديماً كان هناك في الإذاعة المصرية برنامج واحد فقط اسمه “ما يطلبه المستمعون”، من الذي يطلب إذا محتوى باقي البرامج؟ لا أدري. ربما المذيعون. أما في التلفزيون فقد كان هناك برنامج أعلنها صراحة “اخترنا لك”. من أنتم لتختاروا لي؟ يا لتحكمكم وسلطويتكم الفجة!

 

أذكر في طفولتي كنت أشاهد مع العائلة مساء كل جمعة برنامج “مواقف وطرائف” الذي كان يتعمد مقدمه في كل حلقة الادعاء أنه يجوب العالم شرقاً وغرباً ليأتي لنا بلقطات جديدة وكأنه عمل شاق وبطولي. مر الوقت وكبرت وأصبحت أشاهد ما هو أكثر إبهارًا و”إثارة” للانتباه أو حتى ما هو أطرف وأكثر إضحاكاً ربما لساعات طويلة أقضيها ليلاً -دون عناء- أمام شاشة الكمبيوتر مرتدياً فقط ملابسي الداخلية، أحيانا.

 

قدمت لنا التكنولوجيا خدمات جليلة أخرى نقدرها، قل عني عاطفيًا ولكني لازلت أمجد فكرة أنه بإمكانك أن ترى وتسمع وتتحدث مع من تشاء، أينما كان في هذا العالم أو حتى في الفضاء الخارجي إن كان متصلاً بالإنترنت. بإمكان عدة أصدقاء أوأقرباء أن يروا بعضهم ويتحدثوا معاً للوقت الذي يريدونه ولو كان كل منهم في قارة مختلفة. بالطبع الأمر يختلف كثيراً عن أن تكون مع من تحبه وتهتم لأمره، أن تراه عن قرب دون حواجز وبلا شاشات، أن تلمسه أو تنظر في عينه وأنت تحدثه، أن ترى ابتسامة خجولا ترتسم على وجهه لثانية، أو تسمع تعالي صوت ضحكته. هذا هو الاتصال الإنساني الحقيقي.

 

والتواصل الاجتماعي الحقيقي هو جلوس مجموعة من الأصدقاء معاً وتبادلهم الأحاديث والضحكات، هذا لا يمكن أن يماثله أن يقرؤوا بضعة سطور من “الهأهأة”. إن التواصل الافتراضي يمثل تحدياً حقيقياً، فبرغم حتميته مع إيقاع العصر الحالي، وأهميته كوسيلة للتواصل، لكن كثيرًا من العلاقات الإنسانية تتأثر بسلبياته أكثر من استفادتها بإيجابياته.

 

– مشهد تعبيري
“إحنا لازم نسيب بعض”
“ليه يا حبيبتي؟”
“مينفعش إمبارح أقولك.. أنا اه مضايقة شوية بس خلاص حأخش أنام فتقولي.. K”.

 

التواصل الافتراضي أيضاً كما يجعل المشاعر سطحية ويفقد الكثير من الكلام معناه. فإنه من أفضل طرق النقاش فقط إذا كان الهدف الوصول لنقاش بنفس مستوى التقارب الفكري والتفاهم في برنامج “الاتجاه المعاكس”، حيث لا أحد يسمع الآخر، ويقرر البعض أن يرد بكلام لا علاقة أو رابط بينه وبين ما يقوله الآخر، ومن الأسهل كثيراً أن تسب شخصاً على الإنترنت عن أن تفعل وهو يقف أمامك، ومن الأسهل أيضاً أن تجد مبرراً لسبه، فأي كلام بإمكانك أن تعتبره إهانة إذا تخيلت له دوافع سيئة أو نبرة الصوت ولغة الجسد المناسبين.

 

أنا شخصياً أقرب لأن أكون مدمناً للتكنولوجيا من أن أكون كارهًا لها أو ناقمًا عليها. ودعنا نواجه الحقيقة؛ إذا كنت أنا محظوظاً أن تقرأ أنت كلماتي هذه فلن يكون ذلك عن طريق مجلة حائط أومعلقة من ورق البردي، بل سيكون على الإنترنت.

 

ولكن الأمر لازال له ثمن باهظ .. فعلى عظم ما تحققه التكنولوجيا من تطور وإنجازات، هناك ثمن ندفعه كل يوم من أوقاتنا وأعمارنا وعلاقاتنا ونمط وجودة حياتنا.

لا يوجد مشكلة أن تفعل ما تريده وما يجعلك سعيداً، ما دام يبقيك إنسانا. (مفيش مشكلة إن ناس تتصور سيلفي حتى لو وهم عاملين داك فيس .. أو حد يصور كل وجباته عشان الإنستجرام #إنستا #كوارع #مخاصي، المهم منخليش كلامنا كله ملوش معنى، ومشاعرنا كلها سطحية، ويعجبنا كلامنا أو آرائنا حتى لو آراء منيلة عشان في ألف واحد عملها لايك أو ريتويت. وإن كل الحاجات دي اللي المفروض معمولة عشان تخلينا أقرب لبعض تخلينا أبعد، والوقت اللي بنضيعه في الحاجات دي يمنعنا نعمل اللي إحنا عايزينه، ونعرف حاجات كتير تستحق بجد إننا نعرفها. محتاجين نخلي التكنولوجيا إنسانية أكتر، بدل ما إحنا اللي بنتحول لكائنات تكنولوجية).

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد