هناك الكثير من المفارقات لمن يتحدثون عن كيف كنا وكيف أصبحنا، وأن الدولة تفككت وتمزقت بسبب هذه الحرب. لكن الواقع والأرقام يقولان عكس ذلك تمامًا. حيث إن انهيار وضعف الدولة التدريجي أدى إلى لنزاع المسلح في آخر المطاف، حيث إن الصراعات الداخلية بشكل خاص، والتقسيم المناطقي بشكل عام يرجع سببه إلى ضعف الدولة المركزية، وما يتم الترويج له ما هو إلا تغييب وتزييف للوعي ليس أكثر وفي هذا المقال سوف أتطرق لعدة مؤشرات سياسية واقتصادية وعسكرية لإثبات تلك الفرضية.

١-المؤشرات السياسية

كانت من أهم مخرجات الحوار الوطني هي الدولة الاتحادية، وكانت بمنظور الأخذ بنموذج الدول المتقدمة بأن معظمها فيدرالية، وتم التجاهل تمامًا أن هذه الدول بل وجميع الدول الفيدرالية الناجحة في العالم اتخذت الفيدرالية للتوحد ولم تكن للتقسيم.

وفي حالة اليمن التي تعتبر دولة موحدة أصلًا فإن اللامركزية السياسية بالتحديد تعتبر دليل وجود أزمة هوية وضعف الدولة المركزية، وتأتي كحل آخر بديل عن الدولة الموحدة الضعفية، وتأتي في إطار لتشريع التقسيم الذي نراه اليوم وليست في إطار التوحد ولنا في السودان ويغوسلافيا خير مثال، وكأن الأجدر إذا ما تم التوافق على هذا النوع من الإدارة في حالة الدولة القوية أن تكون لا مركزية إدارية فقط عن طريق إعطاء المجالس المحلية صلاحيات موسعة بدلًا عن مشروع الفيدرالية.

الخروج الفعلي للعديد من المحافظات من قبل الحرب بمدة من التحكم المركزي في صنعاء مثل شمال الشمال وحضرموت والتي تشكل ما يقارب 40% من مساحة اليمن وتساوي أكثر من 70% من الثروة النفطية، وعجز أمني كبير جدًا في بقية المحافظات وكأنه لم تكن هناك دولة بالأساس سواء بالاغتيالات والتفجيرات وقطع خطوط الكهرباء والنفط والقِطاع في طرق بعض المحافظات مع العلم أن موازنات هذه الوزارات تضاعفت أكثر من 100% عما كانت عليه في 2010، ولم تكن هناك إلا دولة شكلية مهمتها إصلاح الأضرار الناتجة عن التخريب وتشكيل لجان تحر في حالة العمليات الإرهابية المعتادة بدون أي حلول أو نتائج.

تحكم الأحزاب في العملية السياسية بدلاً عن الدولة، حيث كانت السلطة الفعلية في يد المؤتمر والإصلاح أما الحكومات الرسمية فكانت شكلية تراعي مصالح هذه الاحزاب بدلاً من مصالح المواطنين، أي كانت دولة عصابات «بشكل رسمي» وكانت تضعف من يومٍ إلى آخر.

وضع اليمن تحت البند السابع كان من أبرز المؤشرات على انهيار الدولة ويعني نقل اليمن إلى الوصاية الدولية، وجاء في الأساس لتقسيم الدولة الفدرالية على أساس اللاعبين الخارجيين في اليمن.

٢- المؤشرات الاقتصادية

يجب أن نعي أن مشكلة اليمن في الأساس اقتصادية وبسبب الاقتصاد تحولت لمشكلة سياسية، فلم تكن المؤشرات الاقتصادية في اليمن قبل الحرب تفرق كثيرًا عن بعدها فمن هم تحت خط الفقر في عام 2014 كان 60% وفي عام 2019 يصل 80% أما معدل البطالة فهو ثابت تقريبا منذ عام 2010 في 12% وهذا يدل أنه ليس هناك فرق بين وجود الدولة قبل الحرب أو عدم وجودها.

كانت ميزانيات الحكومات من بعد ثورة عام 2011 تتنبأ بمستقبل كارثي، لعدة أسباب، أهمها زيادة مراكز القوى سواء المراكز السياسية أو العسكرية أو القبلية وكان يتم إرضاء هؤلا بتوظيف تابعيهم بعدة آلاف من الوظائف مع محاصصة الحقائب الوزراية، مع ترافق توظيف جميع من كانوا في خط الانتظار في الخدمة المدنية منذ سنوات ولم تكن الدولة بحاجة لأي من هذه الوظائف بمعنى أنه تم زيادة عدد موظفي الدولة بشكل كبير جدًا -وهو متضخم من الأساس- بدون أي مقابل أو إنتاج فعلي من هذا الكادر الذي ارتفعت نسبته لما يقارب 63% وهذا ما كلف خزينة الدولة الكثير جدًا، وفي الوقت الذي تستلم فيه وزارتين الدفاع والأمن أكثر من ربع ميزانية الدولة. كانت تقل صادرات الدولة من النفط عن ما توردة من المشتقات النفطية، وذلك وبسبب الأعمال التخربية. بمعنى أن صادرات النفط لم تعد تغطي حتى استيراد اليمن من المشتقات النفطية.

كما أن ميزانية شؤون القبائل أكبر من ميزانية مصلحة الهجرة والجوازات ومصلحة خفر السواحل التي تحمي جميع شواطئ البلد! وكما ذكرت سابقًا فهذا يدل على قوة المجتمع القبلي في الضغط على الدولة.

وهذه جميعها مؤشرات اقتصادية على انهيار الدولة وعدم قدرتها على السيطرة، فهي موضع ابتزاز من مراكز القوى الداخلية من فمن ناحية فهي تهلك موازنتها إما بتضخم وظيفي هائل بدون فائدة وما يسببه من فساد هائل، وإما بخسارتها مواردها المالية التي تتعرض للنهب ولا تستطيع حماية نفسها على الرغم من المبالغ الطائلة التي تدفعها للدفاع والأمن، وفي نفس الوقت ضغط سياسي في حالة سحب الدعم عن المشتقات النفطية الذي كان يأخذ جزءًا كبيرًا من موازنة الدولة.

ففي عام 2014 استحوذت ثلاثة بنود فقط ما يقارب 75% من موازنة الدولة وهي قطاع المرتبات ودعم المشتقات النفطية وفوائد البنوك من الدين العام! كما أنه من بعد 2011 لم يتم المصادقة على أيٍ من الحسابات الختامية للدولة في مجلس النواب وهي تعتبر أكثر الخطوات حساسية ولايجوز إقرار موازنة العام الجديد إلا بعد إجراء حساب دقيق للنفقات الفعلية وهل تم الالتزام بما تم تخصيصه بداية السنة أم لا! وهذا من أهم المؤشرات التي تدل على أن الدولة كانت تدار «بالبركة» وأن الفساد فيها نخر حتى قاعها وبشكل غير مسبوق أبدًا.

٣- المؤشرات العسكرية

ضعف الإمكانات العسكرية بسبب الفساد والمحسوبية وجعل الجيش والأمن وسيلة لإرضاء الخارجين عن النظام بتوظيفهم فيهما بدلًا من أن تكون أداة لردعهم وضبطهم كان لها أثرها الاقتصادي والسياسي الكبير، فمن ناحية الاقتصاد فقد كانت تتحمل هذه الجهات مبالغ طائلة بدون فائدة حقيقية تذكر وفي المقابل كانت تتحمل الدولة مبالغ كبيرة جدًا بسبب أعمال التخريب للكهرباء والنفط، ومن الناحية السياسية تم استغلال عجز الجيش لسيطرة القوى المسلحة الأخرى على مناطق واسعة من الجمهورية ولم تكن اليمن موحدة إلا على الخريطة.

وفي العادة يتم استغلال الحروب الداخلية «ضد الارهاب» من قِبل السلطة لتكسب دعمًا ماليًا خارجيًا وهذا ما حصل في حرب القاعدة في عام 2012 و2014، وفي 2014 أدركت القيادة أن الدولة منهارة لدرجة أنهم دعموا هذا الانهيار للإسراع فيه، وما ذهاب هادي إلى عمران بعد دخول الحوثيين إليها والتصريح بأنها عادت إلى أحضان الدولة دليل على العجز التام.

ومن ثم ما هي الدولة التي تدخل عاصمتها قوة مسلحة لا تتبعها بدون مقاومة جندي واحد؟ ومن ثم محاصرة رئيسها وحكومتها في قلب العاصمة بدون تحرك طقم واحد أو حتى إطلاق رصاصة واحدة، وهذه هي الدولة التي تم استعادتها من عمران وتم تسليم سلطتها للحوثيين برضى القيادة السياسية، والغرض منها وجود شماعة لتعليق فشلها عليها وهذا هو ما حدث تمامًا ولكن الواقع يقول عكس ذلك بأن فشلهم أدى إلى دخول الحوثيين ووجود قوى أخرى على مناطق واسعة من اليمن. فإذا لم يسيطر الحوثيون على السلطة لكانت ستكون مُتاحة لقوى مسلحة غيرهم في المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد