الحبُ كما قيل عنه: “أصلٌ راسخٌ في أرض الكينونة، بقدر ما هو حالة قصوى من أحوال الوضع البشري، وهو تجربة وجودية فذة تبدّلُ حياة من ينخرطُ فيها، بقدر ما هو حدثٌ فريد وقاهر يجتاح صاحبه كي يجعله أسيرًا لهواه، عبدًا لمن يقع في حبه وشباكه. لكنها عبودية يشعرُ معها المرء بملء الحرية، بقدر ما يمارسُ وجودَهُ على سبيل الحضور والازدهار والاستمتاع”. قد سُئلَ بعضهم عن الحب، فقال ما معناه: هو أن يتغشاك ما لا تقدرُ على التعبير عنه. وللأمانة فأجمل ما في هذا الإجابة أنها وصفت الغموض بالغموض نفسه، إذ كيف تشرح ما لا يُشرح أصلًا، إنما يُشعر ويُذاق ويُحس فقط!

 

إن الحب حينما يُخامرنا، فإن عقولنا يصيبها ما هو أكثر من الثمالة والسُكْر، ونحنُ حينما نتطلّب تفسيرًا لشيءٍ ما فإننا نبحثُ فيها عن المعنى والعلّة فيها، وهذه لا يبصرُها سوى العقل، العقلُ فقط، وقد فهمنا أن عقل المحب مصابٌ بـ”إغماءة وجدانية”، أي أن قناديلنا مهما اتقّدت لن تقوى على إطفاء ظلمة الليالي الساحرة، تلك التي تتماهى مع أحضان حبيبٍ متولّه!

إن التلاقي بين أي رجلٍ وامرأة قد يحدث في أي مكان، وبغير ترتيب وقصدية مسبقة، في سوق أو مستشفى أو على ضفاف نهر أو مكتبة أو حتى في المسجدِ، أو غير ذلك مما لا يمكن حصره، وهذا التصادف الجغرافي وتفاعلاته التي قد تنتج عنه لا يختلفُ لا شكلًا – لا مضمونًا – عن التصادف الإلكتروني في الإنترنت، فهو التقاءٌ بالنهاية، وقد يتولّد عنه – كما الالتقاء الجغرافي – تقاربٌ ما، أو تعارف.

 

وقد يتعمّق حتى يبلغَ مبلغًا وثيقًا غامرًا وهو ما نسميه “الحب” أو “العشق”، (وبكل حالٍ فليس الحب بالتجربة السارّة دائمًا)، وهذه الحالة أرى أنها الأقل إن لم تكن الأندر، وبالطبع قد لا يعدو الأمرُ في الأكثر أن يكون تعارفًا عابرًا، بحيث لا يعلق في النفوس منه شيءٌ ذو بال.

وإن حدث، فسرعان من يُنسى حتى كأنه لم يكن، وهذا هو ما أراه كثيرًا، وقد يتمادى بهما قليلًا فيُظنُّ أنهما قد خاضا لجّةَ الحب، وهما لم يبرحا الشاطئَ بعد، أعني الشاطئ الذي يتجمهر فيه كل عشّاق البحر، ليتفرجوا قليلًا أو كثيرًا، فإن غابت الشمس أخذوا أنفسهم ومضوا كلٌ في حال سبيله، أي أنهم لم يبحروا فيه إلا بعيونهم فقط، مع أنهم يحبونه ..

 

يقول عمر -رضي الله تعالى عنه-: “لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا”..

الفكرة الأعمق لهذا الحديث – بعيدًا عن حجيّته – تتمحور حول مبدأ التوسط والاعتدال في الحب والبغض، وقد وردت آثار عن بعض من سلف تؤكد هذا المعنى وتحاول أن تضعه موضع ما يمكنُ أن نسميه “العاطفة النموذجية”، ومبدأ التوسط في المسلكيات العامة والخاصة مبدأٌ أصيل في الإسلام، وهو مستوحى من روحه العامة التي تعبّرُ عن نفسها في جزئيات النصوص، كأنها الخيط الناظم للكثير من النصوص، وهذا ربما يدلُ – أو هو يدلُ فعلًا – على أن المحبة أو البغض شعور يمكن التحكم فيه وضبطه بالحد منه وإيقافه عند حدودٍ معينة.

 

فهو إذن – وبناءً على ذلك – فعل إرادي يدخل في طوق الإنسان واختياره، إذ التكليف متعلقٌ بالقدرة والإرادة، فـ”لا تكليف فيما لا يُستطاع”، وهي قاعدة فقهية متفق عليها، كما أن هذا حكم عام، والعموم دائمًا يخفي في داخله خصوصًا، قد يُصرّح به ويعلن وحينها سيسهل القياس عليه، وقد لا يُعلن فيستبطنَهُ المتأملون وهذا نسترشدُ إليه بالقواعد العامة وبالعقل والحس.

 

حيث من حالات المحبة – وهذه من حالات خاصة – ما لا تدخل تحتَ الاختيار ولا يملك من ابتُلي بها إلا التمادي فيها أكثر، لا يملك غير ذلك، ربما لأنه قد وصلَ إلى حالة “فقدان الاختيار”، فهذا لا يمكن أن يكونُ بإمكانه أن يعيد ضبط المدى الشعوري لتجربته العشقية، فهي تتسع كالفيضان الذي يهدم السدود ويغرق القرى فلا يصمدُ بوجهها شيءٌ كـ”إرادةٍ سليبةٍ مثلًا”.. لأنه قد بلغت – أي تلك التجربة – من الطغيان حدًا لم تعد تجدي فيها الحلول النظرية المجردة، فالماءُ الجارف لا يملكُ أُذنًا ليسمع بها صراخ المشردين، ولا عينًا يرى بها وجوههم وقد جفّت فيها الحياة مع أن الماء قد أحاطَ بهم، سبحان الله..

 

قد يموتُ العطشى غرقًا، فيقتلهم الماءُ الذي كانوا أحوج إليه من كل شيء، فقد نحبُ لأننا نحتاج – فطريًا – الارتواءَ العاطفي، لكن قد يكون هذا الحب “المأمول” كالحبل الحريري والمعطّر الذي يلتفُ حول أعناقنا، كحيّةٍ بسّامة الثغر، فاتنةَ المحيا، لكنها غير سامّة، ولا خبيثة، لكن للسعها جروحًا غائرة، فقد مات من شدة الحب أقوام، أقسمُ لكم أنهم لم يكونوا يتصنعون!.

عندما يفقدُ الإنسان القدرة الاختيارية فإن التكليف الشرعي سيرتفعُ عنه، ومن هنا فهو غيرُ مخاطبٍ بتلك النصائح والوصايا النظرية العامة، لأنها – وبحكم عمومها وخصوص حالته – قد تكونُ متوجهةً إلى غيره، كما أنه يبدو لي أن تلك الوصايا الحكيمة لا يُقصدُ بها العشق، وكان مقالِي المقتضب يدور في إطار عاطفة العشق، وربما هذا ما سبّبَ الاستشكال.

فمن المعروف أنه ليس كل محبةٍ عشقًا، فنحنُ نحب أصدقائنا ومعارفنا، لكننا لا نعشقهم، فالعشقُ – كما قد أشرتُ سابقًا – عاطفة قصوى ومحبة ذات طبيعة خاصة وحادّة، ولقد أخرج الخرائطي عن الحسن: “تنقّوا الإخوانَ والأصحاب والمجالس، وأحبوا هونًا، وابغضوا هونًا، فقد أفرط أقوامٌ في حب أقوامٍ فهلكوا، وأفرط أقوامٌ في بغض أقوامٍ فهلكوا، وإن رأيت دون أخيك سترًا ؛ فلا تكشفه”، فكأن المراد هنا هو المحبة غير العشقية، ولعله يفسر ذاك المنقول عن علي رضي الله عنه، فالإطارُ الثقافي واحد، وهو يشرحُ ويُبِينُ عن بعضه ببعضه.

أفهمُ من هذا النص الحكيم أن الاقتصاد في الحب والبغض من الخير الذي ينبغي أن يتوخاه العقلاء، وهو أقربُ إلى تحقيق المصالح واجتناب المفاسد في علاقاتنا مع الناس، أما العشق فلا أظن أنه محكومٌ أصلًا بإطار المصالح والمفاسد، ولا أعتقد أن المحبة – أي العشق تحديدًا – عندما تسكنُ قلبَ إنسان ستأخذ منظور المصالح والمفاسد بالحسبان، لا أظن ذلك والله أعلم.

أخيرًا.. يبدو لي أن كلَ إنسانٍ محاطٌ بأمداءٍ شعورية خاصة قد تكوّنت وتشكّلت من طباعه الأصيلة التي وُلدت معه كفطرته الأولى ومن تجاربه الحادثة بعد ذلك، فهذه وتلك تلّون هذه الأمداء الشعورية وتمنحها طبيعتها الخاصة، وهذه الأمداء – أو مجالات الإدراك الشعوري – هي من ينتجُ رؤيتنا وفهمنا للمحبة أو للتجارب العاطفية عمومًا، كما أنها مؤثرةٌ جدًا في تفاعلنا معها ؛ والحبُ نهاية ارتباط محفوفٌ بالمخاطر، وهو من الوثاقة – أو هكذا يُفترض – بحيث يقومُ على مبدأ البقاء لا التأقيت، أي أنه أبدًا لا يكونُ مؤقتًا عابرًا، وإلا فليس حبًا حقيقيًا، وهذا مكمن الخطر فيه، لأن الفراق لن يؤدي إلى تلاشيه واندثار آثاره تمامًا، بل سيبقى جرحًا كاويًا دفينًا إلى أن يشاء الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حب, فقة, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد