كان يومًا جامعيًا شاقًا، اجتمع فيه الجميع – من دون أن يتفقوا- أن يتحدثوا إلينا عن الشباب وطموحاتهم ودورهم في المجتمع، وألحوا على مبدأين: الأول؛ اختيار الطريق الأنسب والأحب إلينا حتى إذا كان بعيدا عن مجال دراستنا، والثاني؛ هو ألا نستمع للأصوات التي تقمعنا – نحن الشباب – وتنفي عنّا القدرة على تحمل المسئوليات، واتخاذ القرارات الصحيحة ظنًا منهم أننا “طائشون”.

من ثم بدأت أشعر بحركة تحولات أفكاري عن العقل البشري ومنهجية التفكير الخاصة لكل منّا، التي تتأثر بالبيئة المحيطة، وبطبيعة الدراسة والعمل، وبالزمن، كما بدأت أقتنع اقتناعًا تامًا أن لكل منّا بصمة فكرية كبصمة اليد، لا أحد يماثله فيها؛ ومثال على ذلك: إذا كنت قارئَا من الدرجة الأولى، تستطيع أن تقرأ رواية فتستنبط من الأسلوب والفكرة والمصطلحات والزمان الذي كتبت فيه أنها لهذا الكاتب أو لذاك، أنها لنجيب محفوظ أو لتوفيق الحكيم، لطه حسين أو ليوسف زيدان، وهكذا..

انطلاقًا من هذه الفكرة، فلابد من مكتشف لهذه الطاقات الكامنة في الآلاف من الشباب، والمكان الأمثل لتجمع الشباب هو الجامعات؛ التي تُعتمر أراضيها بالفكر الشاب، والمواهب الصاعدة، والأفكار “الطازجة” وليدة الأحداث الراهنة والمتغيرة بحسب تغير الأوضاع، والعقول النظيفة التي تمتص كل ما تقابل من تجارب وأفكار؛ القديم منها والحديث، لينتج عن هذا الخليط طاقة بشرية تعادل في قيمتها قيمة الطاقة النووية والشمسية اللتين نتهافت أن نمتلك مثلهما الآن.

فإذا تم التعامل مع هذه الموارد البشرية تعاملًا سليمًا، سيخرج منها العالم والكاتب والاقتصادى والطبيب “الناجحون”، سيخرج منها أفذاذ في جميع المجالات، بالتالي ندرة المورد المتميز ستختفي تدريجيًا كلما سلم جيل جيلًا آخر الراية، وكلما قل جهل الشباب، وكلما تناقلت الخبرة من الأكبر سنًا للأصغر سنًا. بناءً على ذلك، سيتخرج من هذا الاكتشاف شباب قادرون على قيادة مستقبل دولة بأكملها وتحسين معيشة شعب بكل شرائحه، فهم يحملون خبرة الماضي، وتجربة الحاضر.

بينما كل هذه الأفكار تعصف برأسي، وجدت تغريدات الشيخ “محمد بن راشد” التي انطلقت عبر مواقع التواصل تحت (هاشتاج): #جامعى_برتبة_وزير، مناديًا الحكومة بتعيين من هم أقل من 25 عامًا وزراءً لحل مشاكل الشباب إيمانًا منه أن ما من عالم بحل المشكلة سوى صاحبها، شاكرًا إياهم لمساهمتهم في بناء وتطور دولتهم “الشابة” مثلهم.

فتنبهت لبعض الحقائق التي نعلمها جميعًا علم اليقين وإنما أردت أن أكتبها مرة أخرى لتوكيد المعنى، والتي ربما تكون لاذعة ولكن عندما نحب الوطن لا نستطيع أن نجامله:

  1. نمتلك 7000 سنة حضارة، وبمرور كل عام يزيد عمرهم ويشيخ، كما نشيخ نحن في شبابنا، فنحن لا نعيش إلا على أطلال الماضي، أما هم فلا يملكون آلاف الأعوام من الحضارة مثلنا، ولكنهم يملكون المستقبل.
  2. يستطيعون تطويع المستقبل لخدمتهم طالما لديهم العلم، أما نحن فلا نستطيع التحكم بشيء؛ فالماضي مضى وكان، لا نستطيع سوى هدمه إذا أردنا حتى نغدو بلا ماضٍ ولا مستقبل.
  3. أعتقد أن البعض ينسى أن المستقبل، تجارب الأعوام الحاضرة وشيوخ الغد ما هو إلا “شباب” اليوم؛ فاعتنوا بهم.
  4. قُتل الشباب الذين صنعوا الثورة بالأمس، فلندع البقية يعيشوا في أمل اليوم، ربما يحمل بعضهم بقايا مشاعل الثورة في عقولهم لندخل في عصر تنوير آخر بروح الثورة.
  5. الحضارة علم، وليست آثارًا فقط.

إيمان محمد بن راشد بشباب دولته بمثابة إيمان بشباب العالم كله، فقد خلقنا الله على فطرة واحدة؛ الطفولة واحدة في جميع العالم، هي سن اللعب وتعلم البدائيات، وسن الشباب هو سن الحماس والأفكار العاصفة والمتجددة والمرنة، والشيخوخة هي سن الحكمة والرزانة والخبرة. والمعادلة واحدة؛ الخبرة + التجدد = حضارة وتقدم. والمتغير الوحيد هو الفرصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشباب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد