إن الكتابة الفصيحة العذبة تلاشت شيئًا ما، بالنظر إلى السنوات الخوالي نجد أنها شهدت قفزة غير متوقعة، نجد أنها في طريق غير مأمون، في طريق رديء. اللغة العربية الفصحى قليلًا ما نستمع لها ونستمتع بها، حتى إنها بدأت تنعدم، إلا إذا كانت ملزمة من طرف بعض المهن على موظفيها كالمراسلين والصحافيين وآخرين، لكن الكتابة مطلقة، لا بد من الكاتب والكتاب، والكتابة باب صعب، لكن سنفتحه ونتساءل، لماذا الأعمال الأدبية أو بعضها الحديث ناقص؟ لماذا طغت العامية؟ لماذا اختلطت المفاهيم؟ ما نفع الحفاظ على اللغة في الكتابة؟ لماذا الكتابة بالعامية مضرة بالعمل؟ ما الذي يحتاجه القارئ؟ ما الذي ينشده في الأعمال الأدبية؟ أين يتجلى دور الكاتب وواجبه؟

إن القارئ بمجرد انتقائه لكتاب ما ورغبته في قراءته، بغض النظر عما قرأ على الملحق، بغض النظر عن إعجابه بالفكرة المحورية الأولى، أو ما سمعه عن العمل، هو بحاجة ماسة للغة، بحاجة لاكتساب مزيد من المفردات البديعة التي تمتاز بها لغتنا العربية، وليس المطلوب من جهة أخرى لغة صعبة لا بد لها من قاموس لغوي، وإنما لغة متناسقة متلاحمة، صفاء لغوي بعيد عن العامية، بعيدًا عن اللهجة المحلية، لأن هذا يقلص عدد القراء من خلال الانطباعات المطروحة مِن قبل مَن سبق وقرأوا عملًا ما، ويجعله محصورًا في البلد الذي كتب فيه، لماذا؟ لأنها عامية محلية، لن يفهمها أغلب قراء البلدان العربية الأخرى، وبالتالي فالعمل المكتوب بالعامية أو بعضه مكتوب بالعامية يعد عملًا ناقصًا، لا يقدم لكل قارئ الغاية نفسها، وبمجرد أن يجد القارئ نفسه غارقًا في بحر من العامية غير المفهومة، فطبيعي أن يلقي بالكتاب جانبًا أو يضعه في رف المكتبة ليتعفن وينهشه الغبار.

وبالنظر إلى ما كتب في القرنين الماضيين نجد أن اللغة كانت طاغية، كانت الأهم، كانت الشيء المطلوب لدى القراء، وهذا لا ينفي الجانب الفني، أو الإبداع الذي يصنعه الكاتب، كان من أولوياته تقديم عمل بديع من حيث اللغة، ثم بعدها يأتي الجانب الفني الذي يلازم اللغة، الحبكة، ونقطة التنوير، وما تشمله الأعمال عامة من أفكار وتناقضات تحملها الذات الإنسانية، ذلك الكائن المختلف عن غيره، تلك التضاربات المتناقضة المحبوكة بلغة بديعة، هي ما يحتاجه القارئ، هي النقص الذي تعيشه العديد من الأعمال في الوقت الراهن، هي من دفعت بالقارئ ليتمسك جيدًا بالأعمال السابقة، الأعمال البديعة الباقية بوزنها، الباقية بما قدمته للأدب، وبدورها خلدت ذكرى كتابها.

أما المفاهيم المختلطة حول العامية والفصحى، والتي يدافع أصحابها عن العامية بكونها تمثل دورًا هي الأخرى، والأغلب قال إنها مطلوبة في الكتابة، لأنها تشرح بعض الأفكار أكثر من الفصحى. بالطبع لا عيب في كون العمل الأدبي يحمل كلمتين أو جملتين عاميتين، لا ضير في ذلك ما دامت معدودة، وإنما العيب الشنيع، الغوص في العامية من أجل شرح الفكرة، والابتعاد عن الفصحى، الفصحى بنفسها تقدم شروحات أكثر إفادة من العامية، لكن ذلك يعتمد على الكاتب وقدرته، ومكتسباته اللغوية.

– قال الدكتور طه حسين ذات يوم الآتي:

«ما زلت إلى الآن من أنصار الفصحى، ومن خصوم العامية.

وليس معنى هذه الخصومة أني لا أحب أن تدخل جملة أو جُمل قليلة في كتاب من الكتب بالعامية؛ وإنما الذي أكرهه هو أن تكون الكتابة كلها بالعامية، وأن تُنبذ الفُصحى نبذًا تامًّا».

إن هذا القول الذي طرحه الدكتور طه حسين في العديد من المحاضرات يحمل معنى صريحًا وواضحًا وضوحًا تامًا، وكذلك العديد من أمثاله الذين حاربوا العامية في كتبهم، بإبداعهم اللغوي الصافي، كثيرون وقفوا في وجه العامية، لأنها ببساطة تفسد العمل الأدبي، حتى إنه لا يصح بعدها تسميته بعمل أدبي. والحفاظ على لغتنا التي تعد هويتنا، هو من واجباتنا الأولية التي علينا وضعها في المقام الأول، أما العامية أو اللهجات المحلية المختلفة، لا تصح أن تنسب للأدب البديع، هنالك قراء جيدون يريدون العمل الأدبي الجيد، ويوجد العكس أيضا، لكن من واجبنا الحفاظ على الكتابة بالفصحى، لأنها نحن ببساطة تامة.

العامية تضر بالأدب لكونها لا توصل الفكرة لعدد من القراء على مستوى البلدان العربية، فالكاتب المغربي إذا كتب بالعامية لن يفهمه المصري والعراقي، والعكس صحيح، هذا إن كتب بالعامية البسيطة، أما إذا اعتمد على لهجته التي يتحدث بها في الشارع أو في البيت، لن يفهمه بعض المغاربة نفسهم ولو أنهم أبناء بلد واحد، فاللهجات أيضًا مختلفة من مدينة لمدينة، فاللهجة المراكشية ليست هي الشمالية أو الجنوبية، هنالك اختلافات، وهذا هو الأساس، هو الهدف الذي يحاول أنصار الفصحى توضيحه، الاختلافات تؤدي إلى الانقسامات، ومزيد من الانقسامات، ولم هذا وبالإمكان الكتابة باللغة الفصيحة وتوسيع نطاق الإلقاء والتلقي. وإذا سألنا القارئ الجيد عن رأيه، أو سألناه عن مناه في الأعمال الأدبية، فأول أجوبته اللغة، اللغة هي التي تجعله يتمسك بالقراءة أكثر، بغض النظر عن الجانب الفني الذي تدخل فيه أيضا اللغة، القارئ بحاجة دائمة للجديد الجيد، لأن في ذلك إشباع لرغباته الفكرية، إن القارئ ينشد الإبداع اللغوي الفني، ومن واجب الكاتب تقديمه له، ولن ننسى أن الكاتب أول قارئ لعمله، وعليه إرضاء نفسه أولًا، ثم الأمل في رضاء القراء عن عمله، ولهذا فالكاتب على كتفيه مسؤولية.

دور الكاتب مهم جدًّا في الوسط الأدبي، لأن أفرادًا بحاجته، بحاجة إلى إبداعه وفكره، وكل إضافة جديدة فنية يقدمها، ذلك واجبه، وذلك ما ينشده القارئ، وينشده الأدب أيضًا من أجل البقاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد