في أغسطس (آب) عام 2005 كنت شابًا صغيرًا لم يتجاوز عمره العشرين عامًا، عندما قرأت في الأخبار أن هناك عقيدًا يدعى علي ولد محمد فال، قاد انقلابًا عسكريًا ناجحًا ضد رئيس قابع في الحكم منذ أكثر من عشرين عامًا، يدعى معاوية ولد طايع في دولة أقصي شمال غرب إفريقيا  تقع علي المحيط الأطلسي تسمي موريتانيا عاصمتها نواكشوط.

وقد أثار الأمر اهتمام هذا الشاب الشديد، وهو الشغوف دومًا بأخبار القرن الإفريقي منذ نعومة أظفاره، وقد قرر أن يتابع ما سيحدث على الرغم من صعوبة الحصول على معلومات وأخبار عن هذه الجمهورية الإسلامية المجهولة بالنسبة لكثيرين.

بعد الانقلاب أعلن العقيد على ولد محمد فال أنه غير طامع في الحكم، وطلب من الشعب سنتين لترتيب الأوضاع السياسية والاقتصادية من الداخل، وإعداد دستور يليق بالبلاد، وبعدها سوف يسلم السلطة للشعب يختار من يشاء لحكم البلاد، وأنه لن يرشح نفسه في هذه الانتخابات.

وبالفعل قام هذا العقيد بترتيب الأوضاع  من الداخل وإعداد دستور  قيل بشهادة كثير من خبراء الدساتير أنه أوروبي، وربما كانت لأول مرة في الوطن العربي تذكر مادة فترتين رئاسيتين فقط في دستور دولة عربية.

وكانت المفاجأة أنه لم يكمل حتى السنتين التي طلبهما من الشعب، وأنهى ترتيب الأوضاع السياسية والاقتصادية إلى حد كبير  في أقل من عشرين شهرًا، وأجريت ربما أنزه انتخابات رئاسية في الوطن العربي آنذاك برعاية هذا الرجل في مارس (أذار) 2007 لينتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله، كأول رئيس جمهورية منتخب للجمهورية الإسلامية الموريتانية.

ما حدث بعد ذلك أنه تم الانقلاب على الرئيس المنتخب  ولد الشيخ عبد الله من قبل محمد ولد عبدالعزيز رئيس الحرس الجمهوري آنذاك بعد أن قام باحتجاز الرئيس سيدي ولد الشيخ وأقام انتخابات رئاسية أخرى ترشح هو فيها ولد عبد العزيز، وأيضًا ترشح فيها هذه المرة ولد فال، ولكن بالطبع نجح قائد الانقلاب ولد عبد العزيز رئيس الجمهورية الحالي بعد ما قيل عن تزوير الانتخابات واستقالة رئيس اللجنة العليا للانتخابات، ولكن هذا حديث آخر، وأنا هنا أريد أن أقف عند النقطة التي فيها ولد الشيخ عبد الله أول رئيس جمهورية منتخب للبلاد.

 أثناء فترة دراستي الجامعية سألنا أستاذ مادة الجغرافيا عن القائد العربي الوحيد الذي سلم السلطة للشعب وأحسست وقتها إنها قد جاءت فرصتي لأحكي قصة هذا الرجل التي طالما حفظتها عن ظهر قلب، ولكني فوجئت أن الأستاذ الدكتور يقصد عبد الرحمن سوار الذهب في السودان، لأحتد عليه بشدة، وأقل له: كيف لا يذكر تجربة ولد فال في موريتانيا، وهي التجربة الأحدث والأنجح والأهم في الوطن العربي؛ ليتجاهل كلامي ويشير إلى بالجلوس، ولم أفهم أن كان يعرف أصلًا العقيد ولد فال أم أنا مجنون!

أعرف أني أكتب في جريدة لها قراء في جميع أنحاء الوطن العربي، وأعرف أنه يكتب فيها بعض الكتاب الموريتانيين، كما أعرف أن الشعب الموريتاني شعب مثقف، فإن كان أحدكم يقرأ لي الآن، فليخبرني أين هذا العقيد المتقاعد الآن، وإن كان يعرفه فليستحلفه بالله أن يظهر مرة أخرى، ويخبرنا كيف فعل هذا كيف قاوم شهوة السلطة، وليسأله أن يظهر  مرة أخرى، ويصرخ فينا كلنا، ويفجر غضبه عن الوحشية والأنانية التي فيها أغلب الحكام العرب، فهناك حكام يريدون أن يظلوا في السلطة حتى لو على حساب جثث الشعب كله، وسوريا وبشار مازال موجودًا وهناك حكام يريدون أن يظلوا في السلطة حتى لو تقطعت أوصال وطنهم والبشير والسودان ليس ببعيد!

أظهر لنتنسم أملًا حسبنا أننا لن نتنسمه يومًا ما، واكشف لنا زيفهم وكذبهم جميعًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد