مر ما يقرب من أكثر من عشر أعوام على رحيل العقيد جون جارنج زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان وليس جنوب السودان كما يكتب أو يدعي البعض جهلًا أو خطأ، فالعقيد جون جارنج لم يكن يومًا انفصاليًّا وإنما سعى دائمًا لتحرير السودان كلها وليس جنوبه فقط، من أفكار الظلام والكراهية والتعصب باسم الدين وهو ما يظهر جليًّا في خطبه الدائمة لجنوده وشعبه، ولم يستخدم مطلقًا سلاح الدين لتكوين جيشه مع أن هذا الطريق كان أسهل وأقصر طريق لتكوين هذا الجيش، ولكنه لم يفعل واختار الطريق الصعب القائم على الإيمان بالحق والعدل والمساواة شأنه في ذلك شأن كل العظماء.

في رأيي الشخصي إن العرب لم ينجبوا منذ الرئيس المصري الراحل السادات زعيمًا مثل العقيد الدكتور جون جارنج الذي تخرج في نفس الدفعة الحربية التي تخرج منها غريمه عمر البشير الرئيس السوداني، وحصل بعدها على دكتوراه في الاقتصاد الزراعي من جامعة أيوا وكان مشروع تخرجه ربط قناة جونجلي بالنيل.

أعتقد أن الفرق بين العقيد والبشير هو بالضبط الفرق بين الزعامة الحقيقية والزعامة المصطنعة الزعامة القائمة على الايمان بالعدل والمساواة وتبني قضايا وطنية، والزعامة القائمة على الكراهية وتهييج البسطاء باسم الدين وتبني قضايا دول أخرى مثل المشكلة الفلسطينية وغيرها ومهاجمة الدول الأخرى واتهامها إنها سبب كل البلاء الذي تعيشه شعوبها والغوص في نظرية المؤامرة!

أتذكر حديثًا للعقيد مع محمد سعيد محفوظ على قناة البي بي سي، عندما أخبره صراحة أن هناك من يقول إنه عميل أمريكا وإسرائيل في المنطقة، وأنه يذهب سرًا لإسرائيل ليجاوبه بحسم واستهزاء أنه لم يذهب في حياته إلى إسرائيل، وأن بالتأكيد إسرائيل وأمريكا وأثيوبيا وكثير من الدول لها مخططات في السودان ولكن مشكلتنا الحقيقية ليس في أي من هذه الدول أو في القمر بل هي فقط في السودان!

والآن بعد رحيل العقيد الأسطورة في نهاية شهر يوليو عام 2005 بعد ما قيل عن اصطدام طائرته بجبل وتحطمها وهو عائد من زيارة لرفيق عمره ودراسته الرئيس الأوغندي موسفيني، وهو رجل الغابة الذي عصا عليه الموت دومًا فكم من مرة تعرض لمحاولة اغتيال تفاداها دوما بذكائه، الذي يقول المقربون منه أنه كان حادًّا جدا ولكنها كانت ساعته كما قالت أرملته العظيمة ريبيكا جارنج، لتتحطم معها آمال السودان كله شماله وجنوبه في التنمية الحقيقية القائمة على العدل والمساواة ويخلفه سلفه سلفيا كلير الانفصالي بالفعل، الذي اكتفي بطبع صورة العقيد على عملة جنوب السودان وبعد أن أتم انفصال جنوب السودان عن شماله أصبح كل همه كيف ينفرد بالسلطة، مما أدى إلى شبه حرب أهلية بين قواته وقوات رياك مشار ولمن لا يعلم أن العقيد الراحل اعتقل كلاهما سابقًا!

وهذا بالطبع ما راق للرئيس السوداني عمر البشير الذي شم نفسه برحيل العقيد المحرر ومجيء سلفيا كلير الانفصالي، فالبشير شأنه شأن أغلب ما يسمي بالزعماء العرب لا يهمه انفصال شمال السودان عن جنوبه أو أي جزء، إنما ما يهمه هو البقاء قابعًا في السلطة إلى أبد الآبدين!

أتذكر خطبة هذا البشير يوم إتمام انفصال جنوب السودان عن شماله وهو يعتبر هذا من إنجازاته باعتباره رئيسًا وأنه جنح لطريق السلام!

وأتذكر باكيًا كلمات أرملة الراحل ريبيكا جارنج أنه لم يمت وأنه باقٍ وحي بأفكاره، وأقول لها نعم إنه باق في قلوبنا وقلوب كل الشرفاء الذين لم يلوثهم التعصب والكراهية وقلوب أطفال السودان الذين أحبهم دومًا وأحبوه، ولكن الحقيقة سيدتي أن العقيد قد رحل ورحل معه السودان الموحد فانفصل شماله عن جنوبه، وانفصلت ولاية دارفور روحا وفي الطريق ولايات أخرى  شرق السودان، رحل العقيد وبقي البشير والترابي وكلير ومشار وكل هؤلاء الأوغاد!

أخيرًا أختم بكلمات هذا اليساري الماركسي في إحدى خطبه لجنوده عندما خطبهم قائلًا «فلنتقبل أنفسنا باعتبارنا سودانيين أولا وقبل كل شيء ،العروبة لا تستطيع توحيدنا،الأفريقانية المضادة للعروبة لا تستطيع توحيدنا،الإسلام السياسي لا يستطيع توحيدنا،المسيحية لا تستطيع توحيدنا،لكن السوداونية وحدها تستطيع توحيدنا» وفي خطبة أخرى «أن قانون العين بالعين سيجعلنا كلنا عميانا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد