عن التجربة التشيلية وفيلم (كولونيا)

وهل يساوي العالم الذي وهبته دمك؟

عندما كنت في بدايات سن المراهقة، أخذتني السينما والمسرح من نفسي، تلك الأعمال التي يمثل فيها البطل دور الثائر، الذي يضحي بحياته كاملة لأجل وطنه، الذي يتعرض للتعذيب والتنكيل ويقضى على رفاهياته كاملة في سبيل وطنه، تلك الأعمال السينمائية تعطي البطولة هالة من القدسية، فتمنيت بسذاجة المراهقة أن أصبح منهم يومًا ما بطلة.

ولكن لم تخبرنا الأفلام بكم الألم الذي يعانيه حقًا البطل، مهما أحسن الممثل والمخرج إخراج الواقع، مهما أظهر كم الألم والصعوبات التي يلاقيها البطل وصعوبة التضحيات التي يدفعها ثمنًا، أبدًا ليست كالواقع وصعوبته وتعقيده.

ويبقى السؤال دائمًا، هل يساوي العالم الذي وهبته دمك؟ وهبته دمك الذي وِهبت أنت؟ هل يساوي؟

يبدو أن الإنسان في حالة صراع دائم، ولكن يختلف مستوى ونوع الصراع على حسب المرحلة العمرية التي يمر بها هو نفسه ومجتمعه ككل، فعلى حسب عقل الفرد والعقل الجمعي والمرحلة التي تمر بها الدولة، يتم تحديد الصراعات الذي سيخوضها الفرد، سواء بشكل طوعي وواعي، أو بشكل لا إرادي مدفوع بالتيار.

تشيلي الاشتراكية المتجددة في وجه الإمبريالية الأمريكية

الصراع في دولة تشيلي والذي يشبه إلى حد كبير الصراع القائم حاليًا في مصر خاصة وبلاد المنطقة العربية عامة، كان صراع فرض نفسه على جميع المدافعين عن الديمقراطيات الناشئة ضد مصالح ماما أمريكا التي تصر على إرضاع العالم لبنها المسمم، وفي خضم هذا الصراع ظهرت بالطبع آلاف الأمثلة لأبطال عانوا أشد المعاناة وبذلوا دماءهم، للحفاظ على وطنهم، وبالرغم من أن انتصارهم لم يكن سريعًا، وربما أغلبهم لم ينعموا برؤية لحظة انجلاء الظلم، لكن بالطبع كما هي طبيعة الأمور أكل النظام الديكتاتوري نفسه بنيرانه مع الوقت، قبل أن نبدأ في تحليل فيلم كولونيا الذي يرد قصة واقعية حدثت في قلب الصراع التشيلي، دعونا نمر بشكل سريع على الوقائع التي حدثت قبل الوصول للحظة انقلاب الجنرال بينوشيه على الحكم والتي يبدأ تقريبا الفيلم بها.

الجنرال بينوشيه مقابل الطبيب أليندي

11 سبتمبر 1973 تحرك الجيش التشيلي بقيادة الجنرال بينوشيه وعدد من قيادات الجيش للانقلاب على الحكم الديمقراطي اليساري الناشئ ممثلا في الطبيب أليندي الذي كان يلاقي صعوبات مختلفة على الأصعدة الاقتصادية والسياسية، وبدلا من دعمه لتثبيت قواعد حكم ديمقراطي سعت الولايات المتحدة للإطاحة به، حرصًا على عدم وصول القوى اليسارية للحكم، خاصة لو كانت ممثلة في طبيب سياسي معروف عنه تسامحه وعدم سعيه للتسلط والدم، وبالفعل نجح بينوشيه في الوصول للحكم، بانقلاب دامي نتج عنه مقتل أليندي في معركة بقصر الرئاسة والبعض يقولون أنه انتحر، على أية حال فمن اليوم الأول كسب بينوشيه عداء الكثير من الكُتاب خاصة من أمريكا اللاتينية من ضمنهم الكولومبي الأشهر غابرييل غارسيا ماركيز الحائز على نوبل عن روايته التي استلهم فيها سيرته خريف البطريرك ، كما كتب كتابًا عن نظام بينوشيه أسماه (مهمة سرية في تشيلي).

وكذلك الروائية التشيلية الأعظم إيزابيل ألليندي التي استعادت انقلابه العسكري في روايتها (بيت الأرواح) وكتبت عن فظائع نظامه، بالإضافة إلى البيروفي ماريو فارغاس يوسا، وحتى الكاتب الإنجليزي الشهير غراهام غرين الذي كان من أكبر مُعاديه، ويمكننا اختصارا نقول إن بينوشيه ونظامه كانا العدو الأكبر للصف الأول من المثقفين والأدباء العالميين، ولم يفعل هو ما من شأنه تخفيف هذا العداء، بل إنه أمعن في تحويل تشيلي إلى سجن كبير، فكان الاعتقال والقتل والاختفاء القسري نهاية كل من عارضه، أو كان حليف لنظام أليندي.

مجتمع الكرامة المزعوم تشيلي تحت حكم العسكر

فيلم كولونيا ديجندي أو مجتمع الكرامة مستوحى من قصة حقيقية عن دانيال الناشط الاشتراكي الذي آتى من ألمانيا لدعم الديمقراطية الحديثة الناشئة ومساعدة الحزب في عمل دعاية وملصقات من تصميماته، ولحقت به لينا حبيبته مضيفة الطيران، في إجازة لمدة أربعة أيام فحسب، وكانا على وشك السفر لما حدث الانقلاب.

التشابه بين قواعد الثورة والحب متشابهان بشكل كبير، كلاهما يجب ألا تيأس منه وتتركه إلى ما بدأته، حينما يزرع في قلبك الحب أو الثورة لا يمكنك أن تحيا بشكل طبيعي مرة أخرى، وفي الفيلم تتشابك قصة عشق دانيال ولينا مع ملحمة مع الانقلاب الذي يبدأ أول أيامه بحملة اعتقالات واسعة المدى لكل من له علاقة بشكل أو بآخر بنظام الرئيس سلفادور أليندي، ونشهد لحظات الرعب الأولى لدانيال الذي يصمم على التقاط صور الجنود وهم يحاصرون المدنيين ويعتقلوهم ويضربوهم، حتى يراه الضباط ويقع قيد الاعتقال هو وحبيبته.

بعض الطرق لا يمكنك أن ترجع منها إلا ميتًا

أظن أن كلنا نعلم موعد ميتتنا الأولى بشكل جيد، كل إنسان يعرف متى تحديدًا فقد حياته، وإن كان لا يظل يتنفس فتلك ليست علامة حياة!

الساعة التي خذلك فيها أحدهم، حينما أدار قريب لك ظهره، حينما أيقنت أنك أصبحت وحيد، الساعة التي ذلك الألم فيها لشخص آخر، الساعة التي خسرت فيها أب أو أم او شخص قريب، ساعة إطلاق الشرطة النار على رفيقك، حينما تم اعتقالك أول مرة، الساعة التي قيدت فيها عن حريتك، الساعة التي عرفت فيها أن حلمك مستحيل، أيًا كانت… كلنا نعلم بشكل محدد، ساعة موتتنا الأولى والأهم.

تلك الساعة بالنسبة للثوري وكذلك للمحب، تكون الساعة التي يفارق فيها ثورته، أو حبيبه.

لذلك رغم أنهم أطلقوا سراح لينا إلا أنها لم تستطع التخلي عن دانيال الذي بالرغم من تعرضه للتعذيب المبرح، إلا أنه لم يستطع التخلي عن ثورته.

تكتشف لينا أن دانيال تم اقتياده إلى مكان يسمى مجتمع الكرامة يدعي أنه مؤسسة خيرية، وهو في الأصل سجن يمارس فيه التعذيب لصالح طائفة دينية مهووسة تعمل مع الجنرال العسكري، أليس غريب أن يتفق دائمًا العسكر والدينيين في أساليبهم، ربما لأن كليهما بحث عن نفس الشيء الوصول للسلطة المطلقة، لكن بطريقين مختلفين، أحدهما استخدم الدين وكلمة الله حجة، والآخر استخدم البنادق والسياط!

قصة بول شايفر الحقيقية

من الصعب تخيل أن مثل تلك الأمور تحدث، وأن البشر قد ينساقوا لهذا الشر تحت راية عبادة الله! لكن للأسف الواقع أشد رعبًا من الأفلام، بول شايفر في الفيلم شخصية حقيقية، هو الشيطان القام على المكان الذي عمل على خلع الصفة الإنسانية عن كل من فيه، فأمسى الحب حرام، وكذلك الجمال والضحك والأغاني، كان كل شيء محرمًا، لكن الضرب والإهانات والتعذيب، فهما مسار الصلاح للذهاب على الله تقيًا! وأضف فوقهم اغتاب للأطفال وتحرش جنسي.

وقد حكم على شايفر بالسجن 20 سنة في مايو (أيار) 2006 بتهمة الاعتداء جنسيًا على نحو 20 طفلًا في مستوطنة كولونيا دجنيداد التي تمتد على مساحة 13 ألف هكتار، والتي تأسست سنة 1961 في جنوب تشيلي.

كما أدان القضاء الكابورال النازي السابق بالتعاون مع نظام الجنرال أوغوستو بينوشيه (1973-1990) واستخدام المستوطنة كمركز اعتقال تعرض فيها معارضون للتعذيب في عهد الدكتاتورية.

اعتقل بول شايفر في مارس (آذار) 2005 في الارجنتين بعد فراره لمدة ثماني سنوات وسلم إلى تشيلي حيث جرت محاكمته.

كما أدانه القضاء باستخدام وتخزين أسلحة بشكل غير قانوني واغتيال عميل مخابراتي للدكتاتورية واختفاء قيادي يساري معارض لنظام بينوشيه.

وقد عاش نحو 300 ألماني طوال عقود في مستوطنة كولونيا دجنيداد التي تبعد 350 كلم عن سانتياغو.

وتدور أحداث الفيلم داخل تلك المستوطنة المرعبة، في دراما شيقة متنوعة، حتى يستطيع كل من دانيال ولينا الفرار إلى موطنهم الأصلي ألمانيا، بعد رحلة رعب حقيقية وثورة مخلوطة بقوة الحب ومدفوعة به.

الصورة والكلمة السلاح الذي لا يهزم

بالرغم من ان دانيال تم اعتقاله بالأساس بسبب تصويره للأحداث، وكل ما تعرض له كان بسبب صورة مما يذكرني بالمصور الصحافي المصري محمود شوكان الذي تعرض للاعتقال مدة خمس سنوات بسبب تصويره لأحداث فض ميدان رابعة، إلا أن دانيال أصر على تهريب صور للممرات السرية وأجهزة التعذيب من داخل المستوطنة، وبالفعل تم نشرها وفضح المصائب التي تحدث في تشيلي.

أحيانًا تنهزم الشعوب، لكنها دائمًا هزيمة مؤقتة، رحل بينوشيه وتمت محاكمته وإدانته، وعادت تشيلي للمسار الديمقراطي وخلعت عنها ثوب الفاشية العسكرية والدينية، وربما السبب الأساسي لاستمرار الحكم الفاشي مدة 17 عامًا، قتل وعذب فيها آلاف الشباب والمعارضون هو أن المجتمع الدولي كان متواطئًا مع الرجل العسكري الذي كان يخدم مصالحهم في المنطقة، إلا أنه في النهاية على أية حال انتصر الشعب وانتصرت الثورة بعد الهزيمة المؤقتة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد