يومًا بعد يوم تزداد حدة الاشتباكات في سوريا وتتعقد الأحداث أكثر وأكثر، بالأمس كان الجميع يتحدث عن قرب انتهاء الأزمة السورية، حتى بدأ الحديث عن تقسيم عقود إعادة الإعمار، لكن يبدو أن الأزمة ستطول أكثر من ذلك، نعم يمكن أن تنتهي حرب الوكالة؛ ليحل مكانها حرب الدول التي ستتواجه على الأرض السورية.

إن كل ما نشهده من صراعات وأزمات وصراعات مالية، واستعدادات الدول الدفاعية والهجومية، وسباق التسلح التي تشهده المنطقة؛ ليست مستقلة عن بعضها البعض، إنما تندرج تحت خانة تصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية. إن ما يحدث في الغوطة الشرقية والمناطق الأخرى من سوريا يعيد لذاكرتنا الأحداث التي سبقت الحرب العالمية: الأولى والثانية، مع العلم أن أحداث اليوم أقسى وأصعب وأخطر بكثير مما عاشته البشرية خلال القرن الماضي. إنها علامات حرب كبرى تلوح في الأفق، فجميع الدول بحالة ترقب وحذر، تعيد تعريف نفسها وقدراتها بما في ذلك تركيا.

لا يمكن لأحد أن يتوقع ماذا سيحصل غدًا، وإلى ماذا ستؤول إليه الأمور، لكن الجميع يعلم أن هذه الصراعات الصغيرة هي جزء من تصفية الحسابات التي تكبر يومًا بعد يوم ككرة الثلج، ولا نعلم متى تنفجر.

لذلك تعتبر عملية غصن الزيتون التي تقودها تركيا في عفرين جزء من الحسابات الكبرى، فهي معركة للقضاء على تهديد ضخم وإفشالًا لواحدة من أخبث الألعاب التي أحيكت ضد تركيا من حلفائها الولايات المتحدة وأوروبا، والذين سعوا إلى تدمير تركيا وتمزيقها باعتبارها آخر قلعة للمسلمين في المنطقة، ونبذ المسلمين خارج نطاق التاريخ. إنهم يسعون لاستبعادنا من صياغة النظام العالمي الجديد، بالرغم من أنهم يبنونه على جثثنا ودمائنا ونفطنا.

تواجه تركيا العديد من الدول المتناقضة التي اتفقت فيما بينها على إيقاف التقدم التركي في عفرين، فالميليشيات الكردية أدركت منذ اليوم الأول للعملية، إنها لن تستطيع إيقاف الأتراك، فقامت بمساومة مع نظام الأسد، حيث اقترح التنظيم رفع العلم السوري على أراضي مركز مدينة عفرين، ونقل تبعية بعض المصالح العامة لدمشق، وذلك مقابل بقاء الكيان العسكري لتنظيم (بي إي دي) في المدينة، هذه المساومة أتت بمباركة إيرانية التي ترى بعملية غصن الزيتون تعزيزًا للنفوذ التركي في سوريا.

وفعلًا حاولت ميليشيات شيعية تابعة للنظام التقدم باتجاه عفرين آتية من حلب، لكن المدفعية التركية أوصلت الرسالة اللازمة بقذائف تحذيرية، ثم أعادوا المحاولة قبل أيام فتم قصف الرتل المكون من 30-40 سيارة، وقتل كل من كان في القافلة، لقد تم تحذيرهم من قبل على لسان الرئيس أردوغان عندما قال: (من يفكرون في دعم الإرهابيين سيدفعون الثمن باهظًا)، وفعلًا دفعوا ثمن حساباتهم الخاطئة مع تركيا. إن القيادة التركية تدرك جيدًا حجم الخطر المتمركز على طول حدودها الجنوبية، فالمسألة ليست مسألة عفرين فقط، إنما هي مسألة وجود بالنسبة لتركيا والمستعدة للتضحية لأبعد حدود حفاظًا على وجودها، فالتراجع أو الاستسلام يعتبر انتحارًا قبل أن تبدأ الحرب.

لو وضع جنود النظام السوري في مواجهة تركيا، فستكون الخطوة الأولى لحرب بين دولتين. وكما قلنا سابقًا: إن الحرب السورية تستقبل مرحلة مختلفة تمامًا؛ إذ ستخرج التنظيمات من اللعبة لتحل مكانها الدول، ولو شِيء لهذه المواجهة أن تحدث فلن تقتصر الحرب على الدولتين فقط؛ لأن العديد من الدول ستكون طرف في هذه الحرب، ومن تلك اللحظة لن يتبقى من سوريا شَيء؛ فروسيا وإيران متواجدتان بشكل مباشر في ساحة المعركة، أما الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤهم من الدول العربية فسينزلوا إلى ساحة المعركة ضمن جبهات معادية.

وحينها ستتحول سوريا إلى واحدة من ساحات الصراع المركزية للحرب العالمية؛ لتكون قد وضعت أولى أساسات حرب القيامة، فهذا الأمر موجود في جميع سيناريوهات الغرب، وجميع مخططاتهم مبنية على تصفية الحسابات في منطقة سوريا – العراق.

إن الحرب في سوريا ستترك آثارًا عميقة، وستتسبب في تغيير موازين القوى العالمية وتغيير الحلفاء والأعداء، فلقد نجحت هذه الحرب في قطع العلاقات بين أنقرة وواشنطن، بعد أن هاجمت الأخيرة تركيا عبر سوريا، ونجحت تركيا في إنشاء محور قوي، وأعادت اكتشاف نفسها وتاريخها وجيناتها السياسية.

إن سوريا هي محل صراع الشرق والغرب. ففي الوقت الذي تعتبر فيه التنظيمات، كـ(داعش) و(بي كا كا) الإرهابيين حلفاء الغرب وسلاحه في المنطقة، فإن أعداءهم هم جميع شعوب المنطقة. ولا شك أن الولايات المتحدة ستخسر بعدما جعلت جميع دول الشرق الأوسط عدوة لها. وربما تكون هذه هي أكبر خسارة في التاريخ بالنسبة للغرب الذي يحاول رسم ملامح المنطقة من جديد بعد سقوط الدولة العثمانية.

يجب على الدول التي انضمت إلى صف المحور الأمريكي – الإسرائيلي أن تراجع حساباتها السياسية؛ فالولايات المتحدة وأوروبا خسرتا قدرتهما على إدارة الجماهير في المنطقة، ومن يخسر الجماهير يفقد سريعًا كذلك قدرته على السيطرة على تلك البلدان عن طريق النخب الحاكمة كما كان يحدث في الماضي.

لقد انقلبت الأدوار؛ فتركيا اليوم هي بمرحلة النهوض والتطور السريع، والولايات المتحدة وأوروبا باتا الرجل المريض، وهم بحالة تراجع وانحدار غارقيين في أزماتهم الداخلية.

ان تركيا ستفعل ما يجب عليها فعله لحفظ وجودها، فليس أمامها خيار آخر سوى مواصلة الكفاح والمقاومة التي أشعلت شرارتها ليلة 15 يوليو (تموز) 2016، واستمرت مع عملية درع الفرات وعملية غصن الزيتون، وستتابع لاحقًا في منبج وشرق الفرات لتدمر قلاع الغرب في المنطقة الشمالية من الشرق الأوسط وتجبرهم على الانسحاب نحو الجنوب.

إن تركيا هي الدولة الوحيدة القادرة على حماية المنطقة والأمة؛ فهي آخر قلعة للمسلمين بعد سقوط العراق والشام. وهي الدولة الوحيدة القادرة على إدارة الصراعات في المنطقة، والوقوف سدًا منيعًا في مواجهة الاحتلال الغربي. وهي ستفعل ما يلزم، سواء لمواجهة (بي كا كا/ب ي د) أو المخططات الأمريكية أو حتى السيناريوهات الخفية في المنطقة، بل يجب عليها فعل ذلك، ومن هذا المنطلق ندعو الدول الإقليمية المستعدة لمواجهة هذا المشروع  الانضمام إلى المحور التركي لنمنع تنفيذ مشاريعهم في منطقتنا.

إن تركيا دولة ذات ثقل سياسي وموقع جيوسياسي مميز يجعل صعودها أو هبوطها يؤثر على خرائط المنطقة بأسرها، وفي القريب العاجل سنرى خرائط جديدة ليس لمنطقتنا فقط، بل للعالم اجمع، إذ إننا ذاهبون لواحدة من أكبر التغييرات الجذرية في التاريخ البشري على مختلف الأصعدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد