خلفت القوى الاستعمارية الغربية في القارة الأفريقية، من بين ما خلفت، حدودها السياسية، وتقسيماتها الإقليمية القائمة اليوم، والتي على أساسها تعرف دولها في نطاقاتٍ جغرافية مصنوعة، لم تراع تركيبة السكان، ولا تضاريس الأرض؛ فنشأت الكثير من الدول الهجينة مقسمةً بلا نسقٍ ولا اتساق.

ومن الطبيعي أن ينتج لقاح الشقاق الاستعماري صراعاتٍ حدودية مشؤومة بين دول القارة الناشئة، بحجة أحقية كلٍ منها بجزءٍ يخص أختها، سائقةً في ذلك تبريراتٍ تاريخية وديموغرافية.

إلا أن من بين هذه الصراعات ما نشأ نتيجة تحريض من نوع آخر، خلفته حالة من الالتباس أثناء تجاذبات ما قبل الحرب العالمية الثانية.

فعندما خلف بيير لافال، لويس بارتو وزيرًا لخارجية فرنسا بعد اغتياله في مارسيليا أثناء وقوفه بجانب ألكسندر الأول ملك يوغوسلافيا في 9 اكتوبر (تشرين الأول) 1934، استعار من سلفه فكرة نظام الأمن الجماعي الذي كان يهدف منه احتواء تهديد هتلر في أوروبا.

فهرع لافال في الرابع من يناير (كانون الثاني) 1935، إلى روما ليقابل موسيليني، وكانت بداية هجوم دبلوماسي يهدف إلى محاصرة ألمانيا هتلر بشبكة من التحالفات، وجاء الاتفاق في 7 يناير 1935 إذ وقع كلٌ من بنيوتو موسوليني رئيس الوزراء الإيطالي، وبيير لافال وزير خارجية فرنسا، ما بات يعرف بالاتفاقية الفرنسية الإيطالية معاهدة موسوليني– لافال.

ومما تضمنته الاتفاقية تنازل فرنسا لإيطاليا عن مناطق متنازع عليها، منها جزيرة دميرة في الصومال الفرنسي (جيبوتي)، لتصبح جزءًا من إريتريا، وكذلك منح قطاع أوزو من غرب أفريقيا الفرنسي (تشاد) ليصبح ضمن حدود ليبيا.

وكان ما تسعى إليه فرنسا في المقابل هو الحصول على مساندة إيطاليا في مواجهة خطر أي عدوان نازي، وقد صادقت على هذه المعاهدة الجمعية الوطنية الفرنسية بينما لم يصادق عليها البرلمان الإيطالي.

أفرزت هذه الاتفاقية الملتبسة نزاعين حدوديين انقضى أحدهما مخلفًا وراءه آلاف القتلى، أما الآخر فما زال مرهونًا بتجاذبات إقليمية فيشتعل تارة ويخبو أخرى.

الصراع الليبي التشادي «قطاع أوزو»

يقع قطاع أوزو في أقصى شمال جمهورية تشاد، وهو يغطي حدودها مع ليبيا تمامًا بمساحة تقدر بحوالي 114 كيلومترًا مربعًا.

النزاع للسيطرة على هذه المنطقة بين تشاد وليبيا

طالبت ليبيا إبان عهد الملكية بعيد الاستقلال بشريط أوزو، كحق تاريخي؛ كونها تعدُ وريثة للاستعمار الإيطالي ومن قبله الدولة العثمانية، كما ساقت مسوغات أخرها من قبيل التركيبة السكانية للمنطقة وارتباطهم بليبيا.

ولا تغيب كذلك معاهدة موسليني –لافال والتي تضمنت تنازل فرنسا لإيطاليا عن هذا الشريط؛ ليصبح من حدود ليبيا. وقد أشرنا إلى مصادقة الجمعية الوطنية الفرنسية على هذه المعاهدة على عكس البرلمان الإيطالي.

وبعد مجيء معمر القذافي إلى السلطة في ليبيا جرى التوقيع على معاهدة بينه وبين تشاد في ديسمبر (كانون الأول) من عام 1972، أقر فيها الرئيس التشادي آنذاك «تمبلباي» بأن منطقة الحدود، تعد «منطقة تضامن وتعاون»، وفي رسالة مذيلة بتوقيع «تمبلباي»، أقر فيها بأحقية ليبيا لأوزو والذي أعلنت ليبيا ضمه رسميًّا في 1976.

إلا أن تدخل القذافي المباشر في الشأن التشادي وطموحه إلى أبعد من أوزو، أدخل الطرفين في نوع آخر من النزاع، فقد خاضت ليبيا القذافي في حرب أهلية تشادية عبر تسليحها طرفًا تلو طرف، توج ذلك في السادس من يناير من عام 1981 بإعلان مفاجئ بقيام وحدة بين ليبيا وتشاد، لتصبحا بناءً على هذا الإعلان، دولة واحدة.

هذا الإعلان استنكرته أطراف دولية عدة، نظرت إليه أنه محاولة من جانب ليبيا للسيطرة على تشاد، خاصة في خضم الظروف التي تمر بها تشاد «صراع مسلح».

ولم يلبث الرئيس التشادي وداي أن طالب بخروج القوات الليبية بعد تقدم قوات فصيل مسلح مدعوم من ليبيا إلى جنوب البلاد، وبالفعل انسحبت القوات الليبية، ولكن بصورة مفاجئة وسريعة، خلقت فراغًا عسكريًّا استغله «حسين هبري» وزير الدفاع المتمرد، فزحف بقواته على العاصمة «أنجامينا» في 7 يونيو (حزيران) من عام 1982، واحتلها، ليصبح هبري رئيسًا لتشاد، فيما فرّ وداي نحو الشمال، وبدعم ليبي قسمت البلاد إلى قسمين إلى أن جاء عام 1986، الذي توحدت فيه جميع القوات التشادية على قتال القذافي؛ فدخلت تشاد في حرب مباشرة مع ليبيا لتحرير الشمال من القوات الليبيّة، وقد استطاعت تحرير كل الأراضي بما فيها قطاع أوزو مدة معينة، وهزمت قوات القذافي وأسرت الآلاف.

لم يكن من القذافي إلا أن اعترف بحكومة هبري، كما أنه أعلن رغبته في تسويّة المسألة، وبعد وساطات أفريقيّة أعيدت العلاقات بين البلدين في 3 أكتوبر 1988، واتفق الطرفان على رفع قضية قطاع أوزو إلى محكمة العدل الدولية، والتي أصدرت في 1994 قرارها بشأن قضية أوزو، وجاء القرار في صالح تشاد، وانسحبت القوات الليبية من القطاع في العام نفسه.

الصراع الإريتري الجيبوتي «رأس دميرة»

كانت اتفاقية الحدود في عام 1900، والمعمول بها حاليًا تنص على أن الحدود الدولية لرأس دميرة على البحر الأحمر تمتد لمسافة 1.5 كم على طول الخط الفاصل لشبه الجزيرة. بالإضافة لذلك، فإن بروتوكول 1900 ينص على أن جزيرة دميرة الواقعة مباشرة أمامها، والجـزر الصغيرة المجاورة لها لن تكون لها سيادة وستبقى منزوعة السلاح «منطقة محايدة».

وكما رأينا سابقًا فإن الاتفاقية الإيطالية الفرنسية، والتي مُنحت فيها أجزاء من أرض الصومال الفرنسي «جيبوتي» إلى إيطاليا «إريتريا»، جرت المصادقة عليها من البرلمان الفرنسي دون الإيطالي مما يجعلها موضع تساؤل.

وتختلف هذه القضية عن سابقتها في أن الوضع لن يحسم بمجرد العودة إلى السابق «حالة المنطقة المحايدة».

شهد الصراع بين البلدين صدامين مسلحين خلف قتلى وأسرى بالعشرات، حتى إنهما كانا على شفير الحرب في أبريل (نيسان) 1996، بعد اتهام مسؤولٍ جيبوتي إريتريا بقصف رأس دميرة.

وعاد الخلاف ليبرز من جديد في عام 2008، لكن وساطة أمير قطر آنذاك الشيخ حمد بن خليفة كبحت من جماحه، وانسحبت القوات الإريترية من رأس دميرة، وأعلنت الوساطة القطرية بشكل رسمي في شهر يونيو 2010.

وتجدد التوتر بين الطرفين بعد أن ألقت الأزمة الخليجية الجديدة بين دول الحصار وقطر بظلالها على الصراع، بعد اتخاذ كل من إريتريا وجيبوتي موقفًا منها حسب إملاءات الأطراف المؤثرة على مصالح كل طرف، فما كان من قطر إلا أن سحبت قواتها الفاصلة بين الطرفين وإنهاء وساطتها، رغم دعوة إريتريا لعودة الوساطة القطرية، رغم موقف النظام المؤيد لحصار قطر.

وأخيرًا، وبعد الصلح التاريخي بين إريتريا وإثيوبيا في 9 يوليو (تموز) 2018، والذي تقف وراءه قوى إقليمية وعالمية، تسعى إثيوبيا للصلح بين البلدين في إطار رسم صورة لتحالف إقليمي جديد، وقد قبلت جيبوتي وساطتها، لكن ما ظهر في لقاء رئيسي البلدين في جدة، والذي بدا فاترًا، يشير إلى أن حل القضية الأساسية محل النزاع بعيد، إذ إن السلم والحرب منوط بالتقلبات الإقليمية وتأثيرها على المنطقة.

خلاصة القول إن الصراعات الناتجة من مخلفات الاستعمار بتقسيماته الجائرة واتفاقياته العبثية ما تزال تلقي بظلالها على هذه القارة المثقلة بهمومها من جهلٍ، وفقرٍ، واستبداد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد