كلما ثار العرب ضِد المجتمع الدولي والسلطة الأمريكية والهيمنة الغربية في قضية ما، أو حاولوا الانتصار لأحدهِم، قاطعوا البيبسي، والكوكاكولا، والسجق، والهامبورجر، ومُشتقات الألبان والأطعمة السريعة، حتى يظُن الناظِر أنه ليست هناك أي مقاومة أخرى لنصرة العرب عامة أو المسلمين خاصة سوى تلك الطريقة، ورغم أن هذا قد يظهر كرد فعلٍ بسيط، فإنه وفي الحقيقة أمرٌ جلل يبذل في سبيله الكثير؛ لأن التضحية فيه تكون بالطعام وما به من لذة، بمشتهيات النفس وما لها من غرائز. فهو بالطعام الذي هو آية الربوبية، وهذا كل ما يملِك عامة الناس أن يفعلوا، حتى وإن كانت كل تلك الأطعمة والمنتجات تُعرف في أوروبا بخلطة فرانكشتين كونها مُصنّعة من مخلفات اللحوم، وهو ما يعني أنها ليست صالحة للاستخدام الآدمي.. وبالرغم من كل ذلك فهِي ما تزال طريقة فعّالة لمقاطعة المُنتجات، وعامل يؤثر في اقتصادات تلك البلدان سلبًا وبشكل سريع.

ولو قُمنا بتحليل تلك الأطعمة أو المشروبات الغازية، لوجدنا أن الكولا، والبيبسي، وغيرها من المشروبات الغازية تسبب هشاشة العظام بكل تأكيد، رغم المكونات المختلفة التي صُنعت منها.. وأن تناول السجق والهامبورجر والكاتشب والمايونيز يسبب زيادة الكوليسترول والدهون، بالإضافة لتلبُك الأمعاء وعُسر الهضم، ومن ثم تؤول إلى ذبحات صدرية وجلطات، ناهيك عن أن الأطعمة السريعة نفسها لا صِلةَ لها بالصحة لا من قريب ولا من بعيد.

ومن ثم يحدثك أحدهم قائلًا: أنه لا سيطرة لشركات الأطعمة علينا وليس لها تأثير يُخاف منه على حيواتنا.. فلا يكون الرد إلا باسأل نفسك سؤالًا بسيطًا: إن كُنّا ومن أَجل أن نَردعهم لبعض الوقت يجب أن نتخلى عمّا نُحب أن نأكل، فكيف لو مَنعوا هُم بأنفسهم عنّا ذلك بشكل كُلي ومفاجئ؟

لقد جعلونا نستبدل الخضروات بالكاتشب، والفاكهة بالحلوى، والمضغ البطئ بالبلع، وطعام المنزل بالأطعمة السريعة، حتى الشاي قد استبدلنا به الكريم كراميل والموكا. تأثير ملحوظ محسوس، يخلُق الجلطة ثم يبيع دوائها. ولو قُدّر لشخص ما الموت بعدها لا قدّر الله لكان هذا ما يبحث عنه من هُم فوق كل تِلك المُعضلة.. «تقليل عدد السكان» وإن عاش مريضًا عاملوه كمستهلك للأدوية.. وإن أردنا أن نعرِف حقًا من يتحكم فلنبحث عمن يصنع الطعام.

لقد جعلونا ننسى أن نتفكر فيما نأكُل كما أمرنا الله تعالى فنقف على عظمته في ملكه وقدرته في تقدير أرزاق خلقِه.

صِرنا نلتهم كميات هائلة من الطعام فأصابتنا التُخمة والكسل ولم نعد قادرين على القيام لأعمالِنا، فبتنا نعاني الأمراض وتصلب الشرايين، ذلك لأن الداخِل للجسم أكثر من الفاقد منه. متناسين قول النبي صلّى الله عليه وسلم «بحسب ابن آدم لُقيمات يُقمن صُلبه».

«وما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه».

على النقيض في الصين ترى أنه قلّما يأكُل الصينيون خارج بيوتهم، فلا يتناولون الأطعمة السريعة إلا في أضيق الحدود أو بكميات ضئيلة جدًا، فضلًا عن الرياضة التي يمارسونها كل يوم، والمسافات الطويلة التي يقطعونها بالسير، ناهيك عن النظام الغذائي الصارم الذي يتمتع به الصغير والكبير من فطور وغداء وعَشاء في أوقات محددة، ولو تحدثنا عن مواعيد الطعام لعلمنا السبب الرئيسي للتشتُت الأسري، لأنه لم يعد هناك حوار بين أفراد الأسرة، ذاك الحوار الذي كنا نستمتع به بعد الجُمعة وكل ليلة بعد العشاء على مائدة الطعام، فانتهى وقت أن صرنا نأكل في أوقات متفاوتة كل حسب رغبته، لكن المقام لا يتسع لمثل ذلك من كلام.

إلا أنه حتى طريقة طعام الصينيين نفسها غير كل ما يعرفه الأمريكان والعرب، فهم يأكلون بعُصيٍّ تلعب دورًا نفسيًا مع العقل لإيهامه بأنه قد التهم الكثير بالفِعل، في حين أن ما ترفعه عُصيّ الطعام لا يتعدى رُبع الكم الذي ترفعه الملعقة في المرة واحدة.. فيتوهم الشخص أنه أكل كثيرًا ونال كفايته مع أنه لم يأكل إلا رُبع ما يأكله نظيره في أمريكا أو دولة شرق أوسطية.

وربما سيحتج أحدهم بأن الصينيون يأكلون كل شيء وبكميات مهولة على السوشيال ميديا، لكن الحقيقة هو أن ماتراه بعينيك على «السوشيال ميديا» مجرد عرض لجذب الانتباه وتحقيق أكبر قدر من المشاهدات فيجب أن يأتي بما هو خارج عن المألوف، وإن كان هناك من يفعلون ذلك حقًا فهم لا يتجاوزون نسبةالـ1٪؜ من الصينيين، ونحن لا نعترف هنا إلا بشيوع الفِعل في أكبر عدد من الناس.

ولا يُلام في ذلك أحد، فنحن من استبدلنا زيت الزيتون وزيت الأسماك بالزيوت المكررة لبخاسة أثمانها، وتماشينا مع تحول الألبان بأنواعها إلى مساحيق وبُدرة، حتى النشويات النافعة تحولت لإندومي، صرنا نأكل الكبدة المجمدة دون السؤال عن مصدرها، ولو سألنا عن مصدرها لما اقتربنا ممن يبيعها في المُجمل.

ربما لو بحثنا عن نظام غذائي صِحي ونافع للصغير والكبير لعرفنا كم الخضروات التي يأكلها الصينيون، والفواكة التي هي أساسية في نظامهم الغذائي اليومي، فضلًا عن الماء الكثير والشاي الذي يشربونه بشراهة أكثر من المياة الغازية، واعتمادهم على الطبيعة أكثر وما بها من توابل أكثر من الزيوت ومساحيق الطعام والمواد الغذائية وحافظات الأطعمة.

وربما وجب التنويه على أن ما ذُكر على لسان بن خلدون من أن العرب قد أكلوا الجمل فأخذوا منه الغلظة والغيرة.

وأكل الأتراك الخيول فأخذوا منها الشراسة.

وأكل الافرنج الخنزير فأخذوا منه الدياثة.. إلى آخره لا أساس له من الصحة ولم ينسب إليه بأي مصدر، وإن كان يقبله الواقع والحاصل حاليًا.

لكن الأصح وما قد يمكن أن يؤخذ به هو قول ابن القيم: «أن كُل من أَلِف ضربًا من ضروب الحيوانات اكتسب من طبعه وخُلقِه، فإن تغطى بلحمه كان الشبه أقوى» مدارج السالكين 403/1.

فهل نجح الغربيون في زرع ثقافة طعام مغايرة لما عهدهُ العرب عامة والمصريون خاصة فاستعمروهم داخليًا بالفعل؟

أم هل قلّد العرب الغرب في ذلك طواعية تقليدًا أعمى أفقدهم ثقافة الطعام التي كانت من سلامة النفس كما قال السيّد الجليل إبراهيم الخواص رضي الله عنه: «دواء القلب خمسة أشياء قراءة القرءان بالتدبّر وخلاء البطن وقيام الليل والتضرع عند السحر ومجالسة الصالحين.. بل من قبله قول النبي صلّى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح. «من الإفراط أن تأكُل كُل ما اشتهيت»

وقال سبحانه وتعالى في مُحكم التنزيل: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ» [الأعراف].

فكل شبعان يتعلق بالدنيا أكثر وينسى فضل الله عليه فلا يتدبر ولا يتفكر ولا يشعُر بغيره، فيظن أن النعيم دائم، والجوع مطلوب كيّ يبقى القلب حاضرًا قدر الإمكان فقد قالوا: «إن الشبع يورث البلادة ويعمي الفؤاد». والحقيقة أن الإنسان لا يُؤذي غيره إلا وهو شبعان.

وكما أن جسم الإنسان لا يتكون إلا بالطعام، فقد وجب التنويه على أن المأكول هو ما يحدد هيئة الإنسان وأفكاره وصفاته، لأنه إن تعوّد طعامًا صحيًا بات يُفكر بصورة سوية لا يُخاف عليه منها ولا معها، لكن إن كان الطعام بعشوائية وهو أمر يحدث في اليوم 3 مرات على أقل تقدير، فهو وبما لا يدع مجالًا للشك لا يعرف شيئًا عن الانضباط، وكل عقلٍ سليم يأتي من جسم سليم.. ومن سلامة العقل أن نتدبر فيما نأكل كيّ يوصلنا ذلك للحكمة من خلق الطعام وشكر من خلقه بصورٍ متغايرة وكميات متفاوتة لكل مخلوق.

لتبقى الدائرة تدور.. طعام غير صحى فمرض أو ضعف أو كسل، ثم قعود عن العمل، ثم تأخر نهضة واستمرار تبعية بقلة المال التي لا تقوينا على شراء وزراعة طعام صحي فنأكل الغير صحي ونشتري الدواء، لتظل الدائرة على نهجها في الدوران.

وأخيرًا ربما سيبقى هذا الكلام طيّ الكتمان ولن يلتفت إليه أحد، لكنه كان قد وجب التنويه والتفكر والتدبر في مثل ذلك من آيةٍ جليلة «فَلينْظُر الإنْسَانُ إلىٰ طَعامِه» [عبس 24] والتذكرة في هذا المقام شخصية قبل أن تُرقى للعموم؛ لأنه من لا يملك قُوت يومه من فأسه لا يملكُ كلِمته، وحتى إن تحدثَ بالحق فلا يُؤخذ لهُ برأي ولا يُسمع له.

دُمتُم في معيّة الله وكرمِه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد