تكفل عمليتا الشهيق والزفير المتتابعتان الحياة «بايولوجيًا» للكائن الحي عامة، والإنسان على وجه الخصوص، بل تساهم في نمو خلاياه بشكل تدريجي؛ فيكبر جسديًا فحسب، ويمكننا اعتبار مدى ارتباط النمو بشكل كبير بعملية التغذية الجسدية (الطعام)؛ لذا يمكن القول بأنه ـ نظريًا ـ في حالة عدم تناول الطعام، فإن الإنسان لن يكبر، وعمليًا يموت.  وبالمثل إن تطرقنا للحياة «فسيولوجيًا»  فإن الإنسان ينمو ويكبر ذهنيًا من خلال التغذية الذهنية أيضًا، والمتمثلة في الثقافات والمعلومات المكتسبة والخبرات، وكذلك التجارب. فمن الطبيعي ألا يكون عامل السن مقتضى جيدًا للمقارنة بين الأشخاص؛ فلربما أحدهم قضى عقدين ضاربًا الأرض من المشارق للمغارب يجترح هذا الباب تارة، ويقرأ ليطرق آخر تارة أخرى، خير من ذلك الذي قضى ما يزيد عن الخمس عقود بين قضبان الثقافات الموروثة وعوائد الاستقرار.

هناك نوع من القرارات أو التجارب التي تحتاج لقدر ما من التفكير قبل الخوض فيها، ربما تكون تجربة إحدى الاختيارات أو البدائل المتاحة حل ما، وقد يكون ذلك الحل مكلف على صعيدي المادة والوقت، لكنك في النهاية قد تعود في أي وقت بعد تجربة إحدى الاختيارات والتنقل لاختيار آخر. على سبيل المثال إن كنت طالبًا في إحدى المراحل الدراسية، ولا تسمح لك إلتزاماتك التعليمية، إلا بالاشتراك في رياضة واحدة على الأكثر، وأنت في موضع الاختيار بين الالتحاق بدورة تدريبية في رياضة الجودو أو السباحة، ربما تستطيع الالتحاق بدورة تدريبية للجودو، وبعد نهايتها تستطيع التحول لدورة تدريبية في السباحة، وبعدها ربما تستطيع العودة للتدرب على الجودو ثانية، إذا بدا لك أن رياضة الجودو أقرب لك. عندها ستكون قد خسرت بعضًا من الوقت والمال، ولكن ليس بالكثير. هناك أمثلة كثيرة في الحياة تنتهج نفس النمط من رفاهية الاختيارات والبدائل، تخسر بعض المال والوقت لتستخدم البدائل ذاتها في ربح قدر أكبر من الخبرة والمعلومات؛ لتعود بها لنقطة الاختيار ثانية، وتبدأ عملية أخرى من اتخاذ القرارات.

حتمًا عودتك لنقطة الصفر مرة أخرى لن تكون مثل تلك المرة التي تسبقها؛ فأنت قد اكتسبت قدرًا أكبر من المعلومات والخبرات قد تطور من تقييمك للعوامل التي بنيت عليها اختيارك في المرات السابقة، ففي المثال السابق قد يكون اختيارك المبدئي لخوض تجربة الجودو مفاضلة عن السباحة لمرافقة صديق لك يتمرن الجودو؛ وذلك لأنك ترى أنك بحاجة لوجود شخص ما يعرفك لتتأقلم بشكل أسرع، وهو ما لم يكن متوفر في تمرين السباحة، ولكن بعد خوض دورة تدريبية كاملة في الجودو تجد نفسك قد اكتسبت قدرًا كبيرًا من الأصدقاء الجدد؛ لأن المدرب قام بتقديمك للفريق بالكامل، وعمل على كسر الجمود، وإقحامك في المجموعة بشكل سريع؛ حتى بدت علاقتك بأصدقائك الجدد أقوى بشكل كبير عن علاقتك بصديقك القديم، ولكن بسبب المجهود العضلي الكبير التى تتطلبه رياضة الجودو، ربما تتحول وجهتك لرياضة السباحة؛ كونها أقل في الإجهاد، ولأن عامل وجود صداقات في التمرين لم يعد يشكل أهمية تُذكر؛ لأنك اكتسبت قدرة على اقتحام أي مجموعة، والتناغم السريع بداخلها، بل أصبح اقتحام مجموعات من الأشخاص التى لا تعرفهم لتكوين صداقات جديدة مطلبًا بعد أن كان عائقًا نريد أن نتفاداه.

القرارات أو الاختيارات التى تنتمي لنفس فئة الإختيار السابق تحتل بشكل كبير أغلب اختياراتنا في الصغر، بداية من الأنشطة التي نمارسها، مرورًا بالملابس التى نشتريها أو أصدقاء نصادقهم. هذا النوع من الاختيارات، وإن كانت تسيطر على حياتنا في البداية، فإنها  تبدأ في الانحصار شيئًا فشيئًا بعد انتهاء النصف الأول من العقد الثاني من العمر، ويبدأ نوع آخر من التجارب أو القرارات في الظهور. هذا النوع من التجارب يمكن تسميته بتجارب المشهد الواحد أو one-shot، وهي تلك التجارب التي يبدو من الصعب جدًا العودة فيها لنقطة الصفر من جديد، كاختيارات المجال الأكاديمي في الدراسة، أو اختيار شريك الحياة المناسب، أو ربما اختيار مجال العمل نفسه وغيرها. فعلى سبيل المثال إن كنت تمتلك قدرًا ما من المال، وبدأت تبحث عن اختيارات للاستثمار، فالاستثمار الخاطئ يعرضك لخسارة كبيرة في المال، حتى وإن عدت لنقطة الإختيار الأولى من جديد، فمواردك ستكون قد استنزفت بشكل كبير. اختيارات الزواج هي أيضًا معضلة كبيرة، حيث إن قرار العودة لنقطة الصفر بالطلاق، أو الانفصال مكلف للطريقين، على الصعيد النفسي والاجتماعي. هذا النوع من التجارب ينبغي الحذر الشديد في الخوض فيه، والتخطيط المستمر قبل البدء، وأثناء الرحلة، وكذلك إعداد الخطط البديلة، وحسابات المجاذفة. ينبغي أيضًا معرفة الأدوات المتاحة لإنتاج قرارات أكثر صوابًا وفاعلية.

المرجعيات

أول الأدوات المتاحة التى يُنصح بها كخطوة أولى هي فحص المرجعيات، والمرجعيات هي ثمة كيان معين يتم الأخذ برأيه في القرارات المصيرية، وليكن مثلًا مرجعية دينية بحتة، والاستشهاد بما ورد في المصحف والسيرة النبوية، وهي المرجعية التي أؤمن إيمانًا كاملًا بأنها تحوي سبل الرشاد في الدنيا والآخرة معًا على حد سواء.  يتخذ آخرون من بعض الأشخاص الحكماء كمرجعيات لهم كأكبر الأعمام أو الأخوال أو الجد أو الجدة أو أي شخص يتسم بالحكمة، والثقة، وعدم الحديث بغير علم، أو ربما شخص نثق في وجود تطابق كبير على مستوى الأذواق، والاختيارات بشكل عام، وقد سبق له خوض تجربة مماثلة.

قيمة ووزن المعلومات الواردة من المرجعيات يكون مؤثرًا بشكل كبير، حيث يسهم في رسم الإطار العام للطريق الذي نهدف إلى رسم معالمه، وانتهاجه في النهاية. شخصي أرشح المرجعية الدينية؛ كونها تحمل إرثًا ضخمًا من الحكمة والبصيرة التي لطالما وقفت أمامها عاجزًا عن التعبير عن عظمتها و قيمتها التى لا تُقدر بثمن.

الحث الشعوري

ثاني الأدوات المتاحة هي تقييم شعورياتنا ورغباتنا التي بداخلنا فنبدأ نتخيل أننا نخوض التجربة فعلًا باستخدام إحدى الاختيارات، ونبدأ في تقييم حالتنا..هل نحن سُعداء؟ هل هذا ما كنا نهدف إليه؟ بعضنا يحتاج إلى أن يغلق عينيه أو يطفئ النور؛ كي يتفادى التأثير البصري، ويبدأ في التخيل. في هذه المرحلة نستطيع أن نحدد بشكل تفصيلي وواضح أهدافنا من الرحلة، بعض الأسئلة الجريئة نسألها لأنفسنا، وإجابات أكثر جرئة قد تحدد موقفنا. في هذه المرحلة يستطيع الفرد تفادي مشاكل كبيرة في المستقبل، فعلى سبيل المثال: بعض الناس في اختياراتهم تكون أهداف مزيفة قد طغت على أذهانهم، فيقدم الفرد على الزواج ليثبت للجوار أنه ناجح مثلًا، ولكن ماذا بعد أن أشهرت أنك تزوجت؟ هل المرأة التى اخترتها هي من تصلح لك؟ أو أنك سعيد باختيارك لها؟ قد يغشى المشهد الذي يرمقك كثيرون بالإعجاب والتهاني على عينيك؛ فتتسرع في قرارك بالارتباط بمن لا تصلح لك.

تجارب آخرين

ثالث الأدوات المتاحة هي الاستقصاء من أكبر قدر ممكن من الأشخاص الذين سبق لهم خوض التجربة؛ ليسردوا قصتهم ووجهة نظرهم تجاه فلفسفة الاختيار، في هذه المرحلة نهتم بجمع المعلومات بأكبر قدر ممكن، ونتستبعد استنتاجاتهم الشخصية، حيث إنها غالبًا ما تكون مصحوبة بقلة في العلم والخبرة ومشحونة بالعاطفة؛ مما يقلل من مصداقيتها. في هذه المرحلة نقوم بتوجيه بعض الأسئلة الخاصة بالشعوريات، كالسؤال عما استشعره الشخص، حينما بدأ المسير في اختيار معين، أو العوامل الأساسية التى بنى عليها اختياره.

العودة لتقييم الحس الشعوري والمرجعيات

في ضوء المعلومات الواردة من تجارب الآخرين، قد يطرأ تعديل طفيف أو جذري على الهدف وفقًا لخبراتنا السابقة في مجال التجربة أيضًا مواطن الحكمة والبصيرة في المرجعيات تتجلى في الظهور بقوة، كأغلب أحكام الدين التي يظنها البعض مجحفة، وغير صالحة للتطبيق في زمننا هذا. ومن ثم أخيرًا نقوم بصلاة الاستخارة كاملة مكتملة الأركان. بعد ذلك ينبغي علينا أن ندرك أنه حتى وإن كان الخيار ليس صائبًا، فما سنخسره، لم يكن لنا أن نكسبه من الأساس؛ فهو فاقد مفقود ، لنرضى بما قسمه الله لنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تجارب
عرض التعليقات
تحميل المزيد