ربما لم يخطر ببال أحدنا يومًا أن تلك النكهة السحرية، التي تتربع دون منافس على قلوب الملايين، لم تكن لتوجد لو لم يغامر الإسبان يومًا ويطمعوا في توسيع مملكتهم وسيطرتهم على طرق التجارة العالمية، هذا الطموح الإسباني إن جاز تسميته، كان سببًا لاكتشاف ثمار شجرة الكاكاو التي كانت في يوم جزءًا من الحياة الاقتصادية والدينية لشعوب اعتبرت ثمار هذه الشجرة مقدسة وهدية من الآلهة، ومع أنَّ ثمار الكاكاو فقدت اليوم قدسيتها الدينية، إلَّا أنَّها تحولت لقدسية من نوع آخر، بسببها توّجت الشوكولا ملكة على عروش النكهات حول العالم.

ما علاقة إسبانيا؟!

ولكن ما علاقة إسبانيا وأطماعها التوسعيّة بكل هذا؟! الجواب لا يحتاج إلى كثير من البحث والتدقيق، فالباحث في تاريخ الشوكولا لن يفوته أنْ يعرف أنَّ شجرة الكاكاو كانت جزءًا مهمًا في الحياة الدينية لشعوب المايا والأولمك، التي استخدمت حبوب الكاكاو في الوصفات السحرية وقدمتها قرابين للآلهة، وقد عثر على أوان أثرية يعود تاريخها إلى حوالي 1750 قبل الميلاد، عليها نقوش تظهر كيفية تحضير شراب الشوكولا، وعلى عكس شعوب المايا الذين اعتادوا شرب الشوكولا ساخنة، احتسى شعب الأزتيك الشوكولا باردة وأضافوا لها مزيجًا من الفلفل الحار والفانيليا والعسل، وربطوها بأسطورة الإله كيتزالكواتل الذي طردته الآلهة الأخرى لأنّه لم يقاوم سحر طعم الشوكولا وشارك البشر في تناول شرابها الذي كان يعد نوعًا من مظاهر الترف والغنى، ولم يكتف الأزتك بالأساطير التي نسجوها حول الشوكولا، بل اعتمدوا ثمار الكاكاو عملة معترفًا بها في نظامهم المالي.

إلى هنا لا يوجد ما يربط الإسبان أو الأوروبيين عامة بالكاكاو، إلى أنْ وجد كريستوف كولومبس في رحلته الاستكشافية لأمريكا حبوب الكاكاو مخزنة في قوارب استولى عليها، وعلم أنَّه من هذه الحبوب يصنع شراب الشوكولا، وبهذا الاكتشاف الكبير عاد كولومبس إلى إسبانيا.

كيف استقبلت أوروبا شراب الشوكولا؟

لم يلق شراب الشوكولا ترحيبًا كبيرًا في إسبانيا بسبب طعمه المر والحار، إلى أن عُدِّلَ مذاقه بتحليته بقصب السكر، وتقديمه في البلاط الملكي الإسباني في العام 1544م، وما لبث أن انتشر الشراب الجديد بين النبلاء، وقد وصف الرحالة الإنكليزي «واليس فريارد» طريقة إعداد شراب الشوكولا خلال رحلته إلى إسبانيا في العام 1701م، إذ كان يطحن بواسطة حجر ويخلط مع القرفة والفانيليا ويقدم ساخنًا، إضافة إلى بدء ظهور الكاكاو في المعجنات وبعض الحلويات الإسبانية.

ولم يأخذ الأمر وقتًا طويلًا ليسافر شراب الشوكولا السحري عبر أرجاء أوروبا، إذ انتقل مع الملكات الإسبانيات إلى فرنسا، ورويدًا رويدًا عرف شراب الشوكولا في باريس وذكره فولتير في بعض أعماله في القرن الثامن عشر.

كيف تحولت الشوكولا إلى صناعة؟!

شارك البلاط الملكي الإسباني في تأسيس أول مصنع للشوكولا بالقرب من برشلونة عام 1777م، ثم أسس الفرنسي بليتير أول مصنع في هولندا، وطور هذه الصناعة باستخراج الدهون من الكاكاو، الأمر الذي أدى إلى تطوّر هذه الصناعة وجعل الكاكاو يقدم بشكل صلب كأقراص الشوكولا، وفي العام 1875م قدّم الصيدلي هنري نستله السويسري الأصل خدمة إلى صناعة الشوكولا لا تقدر بثمن؛ وهو الحليب البودرة الذي سهل كثيرًا عملية تصنيعها، وأمن طاقة إنتاجية للمصانع تفوق 250 كغ في اليوم، وهذا ساهم في رخص ثمنها وزيادة إقبال الناس على تناول هذا المنتج السحري.

ورغم إصرار الكثير من النبلاء على تناول الشوكولا المصنوعة من حبات الكاكاو المطحونة يوميًا حتى القرن التاسع عشر، إلَّا أنَّ التطورات المتلاحقة لهذه الصناعة لم تترك مجالًا للعمل اليدوي فيها، فانتشرت المطاحن الآلية، وبدأت شركات صناعة الشوكولا تتأسس بسرعة كبيرة، لتغطية حاجات السوق الأوروبي والدولي، خصوصًا بعد استخدام اللوز والفول السوداني الأمر الذي أدى إلى إقبال كبير في الطلب عليها، خصوصًا في منازل نبلاء أوروبا الذين أصبح تقديم جديد أشكال الشوكولا ومذاقاتها عادة متأصلة في منازلهم وحفلاتهم الكبرى.

كيف أثرت حبات الكاكاو في الإسبان؟!

خلال القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين، كان شراب الشوكولا  المشروب الأول في المقاهي والمطاعم الإسبانية، وتحوّل إلى رمز من رموز إسبانيا تمامًا كمصارعة الثيران، وبدأت الشوكولا تتسلل إلى المطبخ الإسباني باعتبارها أحد مكونات وصفاته، وانتشرت وصفات الأرانب بصوص الشوكولا، والديك الرومي بخليط حبات الكاكاو، وموس الشوكولا، وخصوصًا بعد معرفة خصائص زبدة الكاكاو الغذائية، وسيطرت بقوة على عرش الوجبات الخفيفة التقليدية سندويتشات الشوكولا، وأصبحت بودرة الكاكاو مكونًا رئيسيًا للحلويات والكعك ومادة غنية للتزيين، ولم يتراجع عشق شرب الشوكولا عند الإسبان إلا في منتصف القرن العشرين، إذ بدأت القهوة تحتل عرشه.

سياحة الشوكولا

لم يكن عشق الإسبان للشوكولا طارئًا، بل تحوّل إلى تاريخ يحتفى به في متاحف خلدّت رحلة حبّات الكاكاو، من موطنها الأصلي إلى إسبانيا التي عاد جيشها من أمريكا بكنز لا يقدر بثمن، وخصوصًا برشلونة التي تعد عاصمة محبي الشوكولا ووجهتهم السياحية الأولى، حيث بإمكانهم التجوّل في أرجاء مصانعها للتعرف على طرق صناعة الشوكولا، والتطورات التي طرأت على هذه الصناعة، أما متحف Museu de la Xocolata فهو يروي وبدقة تاريخ حبّات الكاكاو ورحلتها، من حبات مرة المذاق إلى شراب ثم إلى شوكولا صلبة، وطرق طحنها والتطورات التي مرّت بصناعتها، والآلات التي كانت تستخدم في صناعتها، ومعرضًا لأهم الأعمال الفنية والمنحوتات المصنوعة من الشوكولا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد