بعد إنقاذ العامود الأخير في خيمة الدولة من عبث الأوغاد والخونة، لم يبق لنا الآن سوى الالتفاف حول ذلك العامود بغية الاستظلال بظلّه، أو بالأحرى الاستضلال بضلاله.

 

بات المكان لا يتسع للجميع، فالخيمة ذات العمود المتبقّي لم تعد خيمة بالمعنى المتعارف عليه، ولم تعد تؤدي وظيفتها المرجوّة. فنحن نعاني من التكدّس والظلام وشح الموارد والمؤن، كما نفتقر للقدرة على الحركة في أي اتجاه، ففي الحركة تهديد لثبات العامود، وفي اختلال توازنه مخاطرة قد تودي بحياة الجميع، هكذا يوحَى إلينا دائماً. كما أننا لا نشعر بالأمان، فمنّا من يتم اصطيادهم وقتلهم بعد أن تُركوا في العراء كطعم حي – لا حول له ولا قوة – لذئاب الصحراء، قبل أن يتاجر المتاجرون بدمائهم لصالح المؤسسة العسكرية وشرعيّتها في الحكم تارة، ولصالح ذئاب الجماعات الإرهابية تارةً أخرى.

 

لا عجب أن أكثر ما يمكنك أن تجده تحت رداء خيمتنا هو الكلام.. الكثير من الثرثرة البعيدة كل البعد عن الحرية كنتيجة طبيعية لانعدام الحركة. إنها كثرثرة السجناء وقت النوم، أو كثرثرة العبيد عندما يجزل لهم أسيادهم العطاء. كلام مكرر لا يسمن ولا يغني من جوع، باستثناء بعض إرهاصات الإلحاد والعدميّة التي قد تبدو جديدة علينا، أو أنها بدورها نتيجة طبيعية لانسداد الأفق.

 

ففي أطلال خيمتنا أناس يقولون أنها كانت كذلك منذ زمن بعيد، منذ أن بيعت كل أعمدتها بأبخس الأثمان، وخلع كل مشتر عاموده وأخذه بعيداً، وأن الخيمة أخذت في التهاوي، وأخذت المساحات في التناقص، والضوء في الخفوت، والغاز في النضوب، والماء في الشح، وأننا كنا لنصل لما وصلنا إليه في جميع الأحوال. يرى الأقدمون هنا أن خيمتنا طالما كانت ذات عامود وحيد وليس عامودًا أخيرا كما يُهيّأ لنا، يقولون أن هذه هي التركة، تكيّة الحلواني التي ورثها البيكباشي، فلم الضجر إذن؟

 

وفي إطار فلسفي دياليكتيكي، تُطرح أفكار بخصوص نظرية التطوّر، في محاولة للبحث عن الأصل في الأشياء، ما الذي وُجد أولاً؟ العامود أم الخيمة؟ هل نرقد الآن على وجوهنا نسف التراب أسفل عامود الخيمة، أم أسفل خيمة العامود؟. يقول البعض أن الخيمة هي الأساس وأن العامود مجرد أداة لرفعها، ويستدل هؤلاء على صحة نظريتهم بأنه إذا وقف مجموعة من الأفراد على أطراف الخيمة الأربعة، وفي المنتصف، حاملين رداءها في تناغم فإنها ستنتصب، بينما يرى الآخرون أن العامود هو الأصل، وأن لا وجود للخيمة دونه، فالخيمة من وجهة نظرهم هي أداة لحفظ العامود المقدّس من المؤامرات الكونية الهادفة لإسقاطه.

 

كما امتدت الأسئلة الوجودية في محاولة لتبيان مدلول العامود والخيمة، هل الجيش هو السيسي؟ أم المجلس العسكري؟ أم كل من ينتمي إلى المؤسسة العسكرية من أصغر مجنّد إلى القائد العام؟ وما هي الخيمة؟ أهي الدولة أم الحكومة أم الوطن ككل؟ دائماً ما تتوه المعاني في رحاب المجاز.

 

على كلٍ، فإن أفكاراً كتلك، أو ما يمكن أن ينبثق عنها، كالسعي لإقامة أعمدة إضافية للخيمة أو هدمها وإعادة بنائها من جديد، لا يمكن إثباتها وبرهنتها عملياً لأن هذا يقتضي ترك العامود والانصراف عنه أولاً، وفي ذلك خيانة عظمى وانتهاك لأبسط معايير الأمن القومي ذي الأبعاد المركّبة التي لا يسمح لنا مستوى تعليمنا المتواضع مناقشته. ولهذا، فقد تقرر أخذ جميع الإجراءات اللازمة للسيطرة على تلك الأفكار الهدّامة ولاحتوائها. فأما السيطرة فتكون من خلال فرض رؤية شمولية واستخدام العنف غير المسبوق لكل معارضيها، وأما الاحتواء، فقد تجلّى في مشهدين رئيسيين.

 

يعتمد المشهد الأول على الإعلام، وعلى الوجوه التي أحبها الشعب من المشاهير، تعلن هي الحرب، وتترك لأصحاب العامود فبركة فيديوهات تصفية الذئاب. أتلاحظ كيف تبدّلت الأدوار؟ إنها نظريّة “إعلام حالة الحرب”. ولأن إدارة العامود الرشيدة تعي أهمية احترام جميع الآراء وعدم مصادرة أي منها خصوصاً في أوقات المحنة، فقد حرصت على إرضاء جميع الأذواق، فمنّا من تقنعه “إلهام” أو “صابرين”، ومنّا من تنفجر ينابيع وطنيّته بسماع صوت اللواء “محسن ممتاز”.

 

أما المشهد الثاني فهو تجلّ للمراجعة الذاتية للأخطاء والاعتراف بها أمام الشعب دونما خجل، فقد انتهى العهد الذي يأنف فيه الحاكم العدول عن قراراته الخاطئة، ولهذا فقد تم تعيين “فايزة أبو النجا” كمستشارة لشؤون الأمن القومي، والأمن القومي يعني سيناء وليبيا والسودان وأثيوبيا وقبرص واليونان وتركيا، وربما إسرائيل إذا اتّسع لها الوقت. لقد أهدى عامود الخيمة آذانه لفلتة من فلتات العالم القديم – إن لم تكن “أفلتهم على الإطلاق” – ليستمع لنصائحها المغلوطة عن مشكلات المياه والكهرباء والغاز والحدود، وذلك إيماناً منه بأن الرأي وإن كان خاطئاً فلا بد أنه مفيد، إذ قد يلهمنا لما هو أصوب. أليس كذلك؟

 

ويبدو أن مساعي القائمين على عامود الخيمة قد آتت أُكُلها، فبرغم أن فينا من سئم العامود الذي استنزف قوانا حتى صرنا لا نقوى على الوقوف، إلا أن الكثيرين أظهروا روحاً مغايرة، فتعلّقوا بالعامود في علاقة حب ميتافيزيقية كأنه أصل الوجود ونهايته في آن. فهنا على هذا العامود ترى جثثاً معلّقة، فهذا قرر الانتحار شنقاً بعدما استبد به اليأس، وذاك اتّخذ من العامود (خازوقاً) يجلس عليه ليزيد من ثباته ومتانته ظناً منه أنه يدافع عنا. يبدو أن للعامود مآرب آخرى كثيرة. ولكن هذا ما اتسّع الوقت لإثباته وبرهنته بالتجارب العملية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد