بعيدًا عن أي تأويل أو حكم ديني، فإن هذا المقال مجرد محاولة لاستكشاف احتمالات قد لا يفكر بها الكثير من الناس باعتبار أن وجود الحاكم هو أحد بديهيات المجتمع الحضري!

من يتفحص واقعنا مليًا يجد أن أغلب المشاكل التي نعاني منها منبعها الحكام، حتى أنك لو سألت الشاب لماذا لم تتزوج لقال لك بسبب الحكام، ولو سألت زوجته التي لم يعرفها بعد لماذا لم تصنعي له الطعام لحد الآن؟ لقالت لك بسبب الحكام! ولو أنك سألت ابنهم الرضيع الذي لم يخلق بعد لماذا تبكي لحد الآن؟ لقال لك – لو كان بإمكانه الكلام – بسبب الحكام!

سألني ابني الصغير مرة – وهو كثير الأسئلة – لماذا يوجد شيء اسمه الملك؟

فعدت به إلى الوراء كثيرًا، إلى بدايات الإنسان، حين كانت عائلة صغيرة تسكن إحدى الغابات، حيث كان الأب هو رئيس أو ملك العائلة تلقائيًا، فلما كبرت العائلة أصبح الجد هو رئيس العائلة، فلما كبرت العائلة أكبر أصبحت عشيرة، وكان زعيم العشيرة هو رئيسهم، ولما اختلطت العشائر مع بعض ونشبت المعارك، احتاجوا لمن ينظم شؤونهم ويدير مصالحهم ويتخذ قرار الحرب والسلم عنهم، فتوصلت العشائر فطريًا إلى توقيع وثيقة (شفوية أو مكتوبة) تم بموجبها تشخيص حقوق وواجبات كل منهم، ومن ضمن نصوص تلك الوثيقة تنصيب حاكم عليهم، حُددت مهمته بتوحيد صفوفهم وحل النزاعات التي تنشب بينهم وإنصاف الضعيف والاقتصاص من المعتدي، فكان الحاكم هو القاضي وقائد الشرطة والجيش والأب والحكيم ورجل الدين والمعلم الذي يهرعون إليه لقضاء حوائجهم.

بمعنى آخر كان المجتمع هو الذي أنتج الحاكم وليس الحاكم من أنتج المجتمع! وأن المجتمع هو السيد على الحاكم، وليس الحاكم هو السيد على المجتمع. فغاية تنصيب الحاكم هو خدمة المجتمع، وليس استعباد أبنائه وتحويلهم إلى بقر يحلب خيراتهم ويجني ثمارهم!

عندما كبرت العشائر وتعددت القرى وكثرت المخاطر اتفقت تلك القرى والعشائر على الاتحاد فيما بينها تحت بنود واتفاقيات جديدة لتنظيم مصالحها وتحقيق أهدافها في الدفاع وتوزيع الموارد وحماية الضعيف وإنصاف المظلوم.

ثم توسعت تلك البنية (الاتفاقية) حتى ظهر مفهوم الدولة والذي يعتمد بشكل أساس على وجود ثلاث ركائز هي مجموعة من الأفراد (شعب)، وبقعة أرض يعيشون عليها، ثم نظام إداري أو مجموعة من الأعراف والقوانين (الدينية أو الوضعية) تنظم عمل وحقوق وواجبات ذلك المجتمع، وحيث إن تنفيذ ومتابعة تلك المنظومة تحتاج إلى من يديرها، فقد اضطر المجتمع إلى تولية أحد أفراده ليتولى مهمة تلك الإدارة، وقد منحوه لقب الرئيس أو الزعيم أو المدير. أي أن مهمة الرئيس هي مهمة أي موظف أو عامل يتم تعيينه من قبل المجتمع أو العشيرة مقابل مكسب مادي أو معنوي، والفرق أنه يمثل قمة الهرم الإداري في منظومة الدولة لا أكثر ولا أقل.

بمعنى آخر فإن منصب الرئيس هو جزء غير أصيل من تشكيل الدولة، وأنه ناتج اضطراري يلجا إليه المجتمع لتنظيم عمل المجتمع وتحقيق مصالحه مثلما يلجأ إلى العامل لبناء السد، أو الفلاح لزراعة الأرض، أو عامل النظافة لتنظيف الحمام، وهذا يعني أن المجتمع الذي أوجد ذلك المنصب بإمكانه أن يلغي ذلك المنصب إن اكتشف أنه بات يجر عليه من المصائب والويلات أكثر مما يحقق له من مصالح وخيرات مثلما بإمكان أي منا أن يطرد عامل التنظيف إن اكتشف أنه يسرق ويعبث أكثر مما يصلح وينظف، وأن يأتي بعامل آخر، أو أن يقوم هو بنفسه بتنظيف الحمام بدلًا عن وجع الرأس الذي يجره إليه عمال نظافة هذا الزمان!

تعالوا لنسرح في خيالنا لبرهة ونتخيل لو أن أوطاننا لا يحكمها الحكام الحاليون، ما هي الأضرار التي يمكن أن تصيبنا؟ كم هي الدماء التي يمكن أن تسيل منا لو عشنا بدون حكام مقارنة بالدماء التي سالت وتسيل حاليًا بسببهم؟ سيقتل بعضنا بعضًا، سيسرق بعضنا بعضًا، لكن هل كان عدد من سيموت منا بقدر من قتلوا في الموصل ودير الزور وحلب وطرابلس وصنعاء وفلسطين وبيروت خلال السنوات الخمس الأخيرة؟ لو عشنا بدون حكام هل كنا سنفقد من خيراتنا بقدر ما فقدنا منها خلال السنة الماضية فقط؟ هل كان الحرامية واللصوص سيسرقون منا بقدر ما سرقه الحكام والوزراء وقادة الجيوش خلال الشهر الأخير فقط؟ هل كنا سنخسر من كرامتنا وحريتنا وثقافتنا وتاريخنا بقدر ما خسرنا منها في يوم واحد فقط من حكم أولئك الحكام وحواشيهم ونوابهم وضباطهم ومعتقلاتهم السرية والعلنية؟

علمتنا فنون الإدارة أن الجدوى هي الحَكم في معرفة أن كان ما تقوم به سلبيًا ام إيجابيًا، والجدوى هي قياس قيمة المدخلات إلى قيمة المخرجات، فإن كانت قيمة ما نفقده ماديًا ومعنويًا من وجود أولئك الحكام هو إضعاف ما نستحصله من إيجابيات، أو أن ما نفقده بوجودهم هو إضعاف ما يمكن أن نفقده بعدم وجودهم، فهنا يحتم علينا الفكر الحر والمنطق السليم التفكير بثلاث احتمالات، وهي:

الأول: غلغاء منصب الحاكم نهائيًا.

الثاني: تمزيق الوثيقة التاريخية كليًا، وأن يتفرق المجتمع إلى أفراد يحمي كل منهم نفسه، وينظم كل منهم شؤونه بدون أي رابطة وإلغاء مفهوم الدولة كليًا.

الثالث: إعادة كتابة الوثيقة التاريخية التي تنظم عمل المجتمع وإدارته وهيكلية الدولة بطريقة جديدة تمنع ظهور منصب الحاكم أو على الأقل منع تسلط من يشغل منصب الحاكم.

الاحتمال الأول يعني أن يعيش الإنسان كما كان يعيش البدو قبل ألفي سنة، والاحتمال الثاني يعني أن يعود الإنسان ليعيش وحده كما تعيش حيوانات الغابة، أما الاحتمال الثالث فهو الذي حاول الإنسان المتحضر ان يُنظّر له منذ آلاف السنين، لكنه كان في كل مرة يضطر فيها إلى أن يُنصب حاكمًا عليه يفشل في منع ذلك الحاكم من الاستبداد والظلم والطغيان. وقد اعتقد الإنسان المعاصر لوهلة أن النظام الديمقراطي هو أفضل ما أنتجه الفكر البشري لمنع استبداد الحاكم، لكن الناظر إلى نتائج الديمقراطية على أرض الواقع يجد أنها قد ولدت من الحكام الظلمة والمستبدين ما جعل النظم الديكتاتوري لتبدو نظمًا ملائكية إذا ما قورنت بجرائم حكام الديمقراطية! فالديمقراطية الغربية هي التي أنتجت لنا حاكمًا أحمقًا كـبوش، وهي التي أنتجت لنا حاكمًا مجنونًا كـترامب، وهي التي أنتجت لنا حكامًا مجرمين كـبوتين، وهي التي أنتجت لنا حكامًا مسلوبي الإرادة كـبلير، وهي التي أنتجت لنا حكامًا فاسدين كـبرلسكوني!

وأمام فشل حتى الديمقراطية في منع استبداد الحكام، بات الأمر ملحًا لإيجاد منظومة حكم جديدة، أو بمعنى أدق تمزيق الوثيقة التاريخية التي تنظم إدارة المجتمع والدولة وإيجاد وثيقة جديدة يكون فيها الحاكم مجرد موظف أو في أحسن الأحوال مجرد مدير حاله كحال أي مدير في أي دائرة من دوائر الدولة الخدمية، وأن تعود للمواطن حقوقه الأصلية، وأول تلك الحقوق أن لا يفرض عليه حاكم بدون رغبة منه، وأن يمتلك صلاحية خلع الحاكم عند ظهور أي علامة من علامات الاستبداد.

لقد بان لنا أن أحد أهم مشكلات الديمقراطية بالإضافة إلى عدم قدرتها على منع الاستبداد، هو عدم مراعاتها لحقوق من يرفض تعيين الحاكم! فالديمقراطية تجبرك أن تختار أحد المترحشين، لكنها لا تخبرنا ماذا يفعل من يرفض الاختيار؟ ماذا يفعل من لا يرضى بأي من المرشحين، وفضل أن لا يعطي صوته لأي منهم؟ وماذا سيكون الحال لو كان عدد من لم يرشحوا أكثر من عدد الأصوات التي نالها أحد الفائزين؟ لماذا ليس لهؤلاء حق في النظام الديمقراطي! وتلك مثلبة قد نتطرق إليها في وقت لاحق إن شاء الله، أما اليوم فإن أهم ما نريد أن نصل إليه، أو أن نستحثكم للتفكير فيه، فهو:

إن كانت معظم مشاكلنا منبعها الحكام فهل يمكن أن نلغي منصب الحاكم؟

وما هو البديل؟

وهل يمكن إيجاد وثيقة جديدة تنظم العلاقة بين أفراد المجتمع والأرض والإدارة بدلًا عن الوثيقة التاريخية التي ثبت فشلها؟

وهل العيش بدون حاكم أقل ضررًا من العيش مع وجود الحاكم الظالم؟

وهل كنا سنفقد من الدماء والأموال والكرامة والحرية أكثر مما نفقده اليوم لو كنا نعيش بدون حاكم؟

نعود فنقول إن هذا المقال لم ولن يستطيع أن يجد الأجوبة الشافية لهذه الأسئلة، لكنه في أحسن الأحوال مجرد عصف ذهني، ومحاولة لتسليط الضوء على هذه البقعة المظلمة من تفكيرنا الذي حكمت عليه الموروثات والتقاليد والإعلام المتسلط بضرورة الانسياق وراء احتمالات محدودة، رغم أن الحل قد يكون في احتمالات أخرى مُنعنا طوعًا أو كرهًا من وطئها أو حتى مجرد محاولة الإشارة اليها، فإن ثبت عجزنا عن إصلاح منظومة الحكم طيلة هذه القرون المديدة، فما الذي يمنعنا من التفكير في محاولة استبدال كامل تلك المنظومة، أو حتى الاستغناء عنها إن كان شرها أكبر من نفعها، وقد قيل سابقًا: الباب الذي يأتيك منه ريح.. أغلقه واسترح؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد