«عاطلًا بائسًا تملأ الدموع عيني، بعد أن ملأت قلوب الناس بالأفراح».

هكذا كتب الفنان إسماعيل ياسين مخاطبًا الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بعدما ضاقت به السبل وهجره المنتجون.

إسماعيل ياسين الذي استطاع، برغم معاناته، ورغم ما كان يحمله من أسى وغضب تجاه من يقلدونه «يعني أنا بضحكهم وهما بيتريقوا عليا» أن يصل بإفيهاته لقلوب الجماهير حتى الآن.

مشهدان مختلفان

بينما ينتهي الأمر بأهم مونولوجست وكوميديان في تاريخ السينما المصرية والعربية فقيرًا وحيدًا مهجورًا من المنتجين، ورجال الأعمال، والساسة، وربما الأصدقاء، حتى إنك بالكاد تستطيع أن تعرف كيف كان تشييع جثمانه، وكيف كانت جنازته، هناك من ينتظر قيام أم كلثوم من مرضها، ومن يتبرع لها بالدم لتستكمل مسيرتها، وعندما تلتقط كوكب الشرق أنفاسها الأخيرة تشيع لها جنازة قيل إنها من أكبر ثماني جنازات في العالم.

قبل الثورة

قبل أن تنطلق ثورة الأقمار الصناعية، وتتعدد القنوات التلفزيونية، لم يكن هناك العديد من الخيارات أمام المشاهدين؛ لذلك كنا نجتمع على مشاهدة برنامج، أو نشرة إخبارية، أو أفلام الظهيرة على القنوات الأرضية، أتذكر منها بالتحديد أفلام الكوميديان الراحل إسماعيل يس، وكان رغم تباين الأذواق قادرًا على رسم السعادة على وجوه المشاهدين، بل انتزاع الضحك من قلوبهم باختلاف أعمارهم.

إذا كنت من محبي كوميديا حديثي العهد من الممثلين، فيكفيك العودة إلى أفلامه لتدرك سريعًا أنه ألقى بمعظم تلك (الإفيهات) في أعماله، بل تفوق على جميع الموجودين حاليًا بخفة ظله وسلاسة أدائه، وربما طيبته التي وصلت حد السذاجة، السذاجة التي كانت قد تودي به إلى السجن على يد الملك فاروق؛ بسبب نكتة ألقاها وأنقذه طبيب ليقضي أيامًا بمستشفى المجانين بدلًا من السجن، السذاجة التي أغضبت الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أيضًا بسبب نكتة، وربما كانت سذاجته أيضًا أحد أسباب أفول نجمه وضياع ثروته.

العالم يضع شروطه

العالم لا يعترف بالموهبة فقط، بل يحدد شروطًا ويصنف ويرتب الموهوبين كيفما يشاء، ربما العلاقات مع كبار الساسة ورجال الأعمال، عليك أن تبدي مرونة أكثر، بل ربما تصل إلى حد النفاق، ربما أيضًا تلعب الوسامة أو المظهر «الكاريزما» دورًا في ذلك، حتى إن البعض من عديمي الموهبة يجدون لأنفسهم جمهورًا من عديمي التذوق، وربما – وهذا ما أود ذكره – نوع الموهبة التي تمتلكها تحدد أهميتك.

لا شك أن إسماعيل يس امتلك الموهبة وربما الكاريزما، ولا شك أنه لاقى الكثير من النجاح والفشل على مر تاريخه السينمائي الذي تجاوز 500 فيلم، لكنه وكحال الكثير من مشاهير الكوميديا، لم يلق الاهتمام في آخر أيامه، الاهتمام هنا أعني الذي يليق بفنان بحجمه لا يقل شيئًا عن أم كلثوم.

الفكرة

ما أود الحديث عنه ليس حياة الفنان أو نجاحه، لكن فقط أريد أن أقدم نموذجين أحبهما ويحبهم الكثير، وكلاهما له الأثر الواضح حتى الآن، الفنان الكوميدي إسماعيل يس، وكوكب الشرق أم كلثوم، مقارنة بين المهرج والمطربة، راسم البسمة وطاربة الأذان والقلوب، بين حياة الهزل والتهريج، وحياة الجد والحب والهيام، ما يبدأ الكوميديان في إلقاء (الإفيهات) حتى تجد نفسك ضاحكًا مهتزًّا من السعادة، أما المطرب فيلزمك بالجلوس والاسترخاء والتفكير.

أيهما ينال التقدير والاحترام، لا يجهل أحد منا دون البحث أو العناء ما لاقته كوكب الشرق من مشهد مهيب وتقدير لوفاتها، ولا يتذكر أحد منا كيف توفي إسماعيل يس، وزينات صدقي، ويونس شلبي حديثًا، كالفرق بين الجنازة العسكرية والجنازة العادية بالضبط، هذا ما حدث.

المهرج يبقى في مساحة المهرج، لا يتقدم خطوة إلى الأمام إلا إذا دعم تهريجه بشيء من الدراما، أو الطرب، أو النفاق، أو الحظ، ليس من الضروري أن ينطبق ذلك على الجميع، ولا من الضروري أن أُجزم بأن إسماعيل يس لم يهلل للساسة؛ لأنه كان مناصرًا مثلا للضباط الأحرار، وكان له سلسلة كاملة من الأفلام التابعة للجيش، وكان عبد الناصر راضيًا عنه وقتها حتى أفول نجم إسماعيل، ولا أعني أن أم كلثوم وصلت لمكانتها فقط بالتهليل للساسة؛ لأنها كانت عظيمة بالفعل، لكن أعني الأغلبية، فحال الكوميدي أو المهرج يختلف تمامًا عن حال الكثيرين، رغم أهمية الضحك الحقيقي لأوطاننا العربية الجريحة.

الأمر ليس بالهين

إلقاء النكات والفكاهة موهبة، وأمر ليس بالسهل على الإطلاق، بل ربما من أصعب الأشياء ومن أهمها أن ترسم الضحك على وجوه البشر، برغم ما تحمله من هموم وأسى (الفنان العالمي الكوميدي الراحل روبن ويليامز قيل إنه عانى قبل موته من الاكتئاب).

وحتى إن كنت إنسانًا عاديًا يحمل في فمه الكثير من الدعابة والنكات، وبقلبه المزيد من الأسى، لن تحظى أبدًا بالإحترام الكافي، ولن تحظى بفرصة أن يؤخذ كلامك على محمل الجد، فقط أنت مهرج للضحك لا أكثر.

مهرج يستغل حضورك أصحاب المناصب، والأصدقاء، مثلما فعل الملك فاروق والضباط الأحرار من بعده مع إسماعيل يس.

أسباب منطقية

ربما حسن تخطيط وإدارة من أم كلثوم، ربما سذاجة سمعة في الحياة، ربما هو قانون العرض والطلب وتكرار سمعة للأفيهات في مسرحياته الأخيرة، وربما رفضه للتجديد ومواكبة العصر وحبه لدور البطولة المطلق، ربما جودة الأصدقاء حول أم كلثوم وحول سمعة، ربما رجال الأعمال والساسة يرجحون الكفة أحيانًا، ربما الحظ والقدر، ربما الكثير، لكن ما هو أكيد أن المهرجين وأصحاب النكات عمومًا لا يحظون بالنصيب الكافي من التقدير مثلما يحظى المطربون وأصحاب الأعمال الجادة والدرامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كوميديا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد