تقوم ميليشيا مسلحة بانقلاب في عدن وتستولي على مقر الرئاسة والحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا ومع ذلك لا نجد صراخًا، ولا عويلًا، ولا اعتراضًا قويًا، ولا حتى شجبًا، ولا أي تعليق من الرئيس اليمني عبد ربه منصور إلا بعد أربعة أيام من الحدث وعلى استحياء!

فهل هذا سلوك رئيس مسئول أمام شعبه أم أنه رئيس مجمد في ثلاجة بالرياض؟ أم هو رئيس مربوط بريموت كونترول؛ فهو لا يتكلم ولا يتنفس إلا بإذن حكام السعودية؛ فهل هذا رئيس دولة أمن يكون يا تُرى؟ ما هذه الكوميديا السياسية العجيبة؟

ولمن تتبع هذه الميليشيات المسلحة؟ إنها تتبع دولة الأمارات العربية عضو التحالف العربي الذي قام بحرب منذ عام 2015 لإعادة الشرعية إلى اليمن ودحر الحوثيين المنقلبين!

فكيف تنقلب دولة على الشرعية التي قامت بحرب من أجل إعادتها؟ هل هذا اللامعقول؟ أم أنه الجنون؟ أم ماذا؟ ولماذا تنقلب الإمارات بميليشياتها الانفصالية على الشرعية؟ ولماذا تعمل على انفصال جنوب اليمن عن شماله؟ وبعد هذا الانقلاب ماذا تبقى من الشرعية والبرلمان المنتخب؟

إن دول العالم تتحد في شراكة اقتصادية أو برلمان واحد أو عملة واحدة، ونحن ننفصل في السودان وفي اليمن حاليًا غير العراق وليبيا وسوريا وغيرها من الدول التي تسير في طريق الانفصال والتفتيت.

وأين السعودية مما يحدث وهي راعية وقائدة التحالف العربي؟

ومن كوميديا المشهد السياسي باليمن، وجود تنظيمات مسلحة مثل ميليشيا الانفصال الجنوبية وغيرها تحت سمع وبصر الحكومة الشرعية، وتسليح هذه الميليشيات أكبر وأقوى من تسليح الحكومة الشرعية والجيش اليمني؛ وهذا ما أدى إلى سقوط قصر الرئاسة ومقار الحكومة الشرعية بعدن في أيام معدودة!

ومن كوميديا المشهد السياسي باليمن، أن المجلس الانتقالي الجنوبي أكد على تعاطيه الإيجابي وتعاونه مع التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية. فكيف يتعاون مع التحالف العربي الذي يريد عودة الشرعية لليمن وللشعب اليمني المغلوب على أمره، وهو قد انقلب على الشرعية بميليشاته المسلحة!

ومن الكوميديا أيضًا، أن المجلس الانتقالي دعا السعودية لاحتواء الأزمة والاحتكام بين طرفي النزاع على أن يتم استعادة دولة الجنوب الفيدرالية وانفصالها عن الشمال.

وكيف تحتوي السعودية الأزمة وتعمل على إعادة دولة الجنوب اليمنية، مع أن طرفي النزاع وهما حكومة عبد ربه منصور الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي المشترك في ائتلاف مع الحكومة الشرعية لدحر الحوثيين المنقلبين على الشرعية؟ وما تواجد حكومة عبد ربه منصور وقصر الرئاسة في عدن إلا لفترة انتقالية حتى عودة العاصمة صنعاء إلى اليمن السعيد كله بشماله وجنوبه.

وكانت الشرارة للنزاع الأخير قد اشتعلت أثناء تشييع جثمان العميد منير اليافعي، القيادي في قوات الحزام الأمني التابعة للمجلس الانتقالي، إلى مقبرة قريبة من القصر الرئاسي اليمني في منطقة معاشيق في عدن؛ ولماذا قصر الرئاسة قريبًا من المقبرة؟ هل لدفن الرئيس بسرعة أم لماذا؟ ألا يوجد مكان لإدارة الحكم بعيدًا عن المقابر؟

وقد شن الحوثيون هجوما بصاروخ باليستي وطائرة مسيرة يوم الخميس الماضي 1 أغسطس (آب) 2019 على معسكر الجلاء في مديرية البريقة غرب عدن، وأدى هذا الهجوم إلى وفاة العميد اليافعي مع العشرات من الجنود.

ولم يتوقف الأمر على هذا الهجوم ونتائجه المفجعة، إنما اعتبرت قيادات المجلس الانتقالي أن هذا الهجوم دُبر بليل لتصفية العميد منير اليافعي، وأشارت أصابع اتهامهم إلى قيادات بحزب الإصلاح المشارك في الحكومة الشرعية، رغم أن الحوثيين اعترفوا بالهجوم.

وأثناء تشييع الجنازة، أعلن نائب رئيس المجلس الانتقالي، هاني بريك، النفير العام، داعيا قوات المجلس الانتقالي بالتوجه إلى القصر الرئاسي، وحدث الاشتباك الدموي وبدلًا عن وفاة العميد اليافعي والجنود التي كانت بجواره، مات العشرات (50 فردًا حتى وقت كتابة المقال) في هذا الاشتباك حتى تمكنت ميلشيا المجلس الانتقالي من الاستيلاء على قصر الرئاسة. ألف مبروك!

ومن الكوميديا السوداء بالمشهد السياسي باليمن، أن ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، قد اجتمع في العاصمة الإماراتية أبوظبي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، مع قياديين من الإخوان المسلمين باليمن بحزب الإصلاح وهما محمد اليدومي، رئيس الحزب، وعبد الوهاب الآنسي، الأمين العام للحزب؛ مما اعتبره بعض المحللين السياسيين بأنه تقارب مع جماعة الإخوان المسلمين لإعادة الخريطة السياسية باليمن؛ وها هي جماعة الإخوان المسلمين تُذبح الآن بيد قوات الانفصال الجنوبية تحت رعاية وعين ودعم لوجستي من دولة الإمارات العربية!

ومن كوميديا المشهد السياسي باليمن، رفعْ التحالف العربي شعار (قادمون يا صنعاء) منذ أربعة أعوام بدون اي إستراتيجية واضحة لتطبيق هذا الشعار حتى الآن، ولا يبدو في الأفق أي أمل في استعادة صنعاء والقضاء على العصابة الحوثية والتي أنشئت جيبًا خبيثًا لإيران الحاقدة على العرب والمسلمين.

ومن الكوميديا السوداء باليمن، احتلال دولة الإمارات العربية لجزيرة سقطرى والمهرة لتضمهما إليها؛ فهل هذا سلوك دولة جاءت لإعادة الحكومة الشرعة لسدة الحكم؟ أم إنها دولة احتلال؟ ولولا تدخل السعودية لما خرجت الإمارات من الجزيرتين.

ومن الكوميديا المشهد السياسي باليمن، وجود وزير خارجية للحوثيين بدون وزارة وبدون اعتراف دولي ورئيس هذه الحكومة موجود في كهف بجبال اليمن ولا يعرف مكانه بالضبط. ومن الكوميديا أيضًا، ووجود وزير كهرباء بالحكومة الشرعية – الله يرحمها – بدون كهرباء.

ومن الكوميديا السوداء في المشهد السياسي باليمن، هو عدم النظر من أي قوة مسلحة أو غير مسلحة، أو حكومة شرعية أو قوة مسلحة منقلبة، أو حزب سياسي أو حتى من عصابة الحوثيين إلى وضع الشعب اليمني ومعاناته اليومية من كل شيء بدء من الحصول على ماء الشرب وانتهاء بالعلاج من الكوليرا المنتشرة بكثافة وغيرها من الأمراض؛ فالشعب اليمني ومعاناته وراء ظهورهم، وأهم هدف يهدفون إليه هو كرسي الحكم الوثير والاستيلاء على الثروة وخاصة من عصابة الحوثيين الانقلابية.

إن شباب اليمن قد سطروا ملحمة عظيمة في ثورة 11 فبراير (شباط) 2011 ليسقطوا نظام الرئيس اليمني السابق عبد الله صالح، وسقط الكثير من الشهداء والجرحى، ثم حدث احتواء الثورة والالتفاف عليها من دول الخليج بقيادة السعودية، ومُنح علي عبد الله صالح عدم الملاحقة القانونية، وانتخب عبد ربه منصور وهو من نظام عبد الله صالح، ثم حدث انقلاب الحوثيين على الشرعية في 12 سبتمبر (أيلول) 2014 (ثورة مضادة)، وقام التحالف العربي بحرب الحوثيين منذ عام 2015 وحتى الآن، وها هي قوات الانفصال الجنوبية تنقلب على الشرعية مرة ثانية (انقلاب من الداخل) تحت رعاية الإمارات العربية عضو التحالف العربي الذي يعمل على إعادة الشرعية إلى صنعاء، ولا ندري ما تخبئه الدول والقوى المتربصة باليمن وبالشعب اليمني لكي لا تقوم له قائمة ويظل مفتتًا بيد القوى اليمنية المسلحة، وهل انقلاب القوات الانفصالية الجنوبية هو آخر انقلاب؟ أم هناك في الأفق انقلابات متعددة لكي يعود اليمن السعيد إلى عصور القرون الوسطى؛ هذا إن لم يكن قد عاد فعلًا إليها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد