صحوتُ من النوم على صوتها في الراديو، تشدو بلحنٍ للسنباطي الذي وجد ضالته المنشودة في صوتها.

كانت تغني الأطلال تلك الأغنية التي اعتبرها كثيرًا من النقاد تاجًا للأغنية العربية، واحدة من أروع ما تم غناؤه في القرن العشرين.

الأطلال التي غنتها أم كلثوم عام 1965، هي أجزاء من القصيدة الأصلية مع بعض الأبيات من قصيدة (الوداع) للشاعر «إبراهيم ناجي»، هذا الدمج لم يكن الأول من نوعه لدى أم كلثوم، فهي قد فعلتها من قبل في «حديث الروح» وقام بتلحينها السنباطي.

يَـا فُؤَادِي لَا تَسَلْ أَيْنَ ٱلْهَوَى ….. كَانَ صَرْحًا مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى

اِسْقِنِي وَٱشْرَبْ عَلَى أَطْلَالِهِ …… وَٱرْوِ عَنِّي طَالَمَا ٱلدَّمْعُ رَوَى

كَيْفَ ذَاكَ ٱلْحُبُّ أَمْسَى خَبَرًا …… وَحَدِيثًا مِنْ أَحَادِيثِ ٱلْجَوَى

من مقام راحة الأرواح لحن السنباطي، وتفرد في عزف المقدمة الموسيقية، ثومة تغني من راحة الأرواح في الكوبليه الأول، لينتقل هو إلى مقام الصبا، ليصير الغناء فيما بعد بين مقامي الكرد والنوا.

ثومة هذه القيثارة التي تربت على التواشيح منذُ صغرها غنت أصعب الكلمات، أخرجت ألحانًا تقف البلابل عاجزة أمامها، رامي الذي وقف بجانبها منذُ أن قدمت هي وأسرتها للقاهرة ولم يتخل عنها، جعلها تقرأ وبغزارة، كان رامي يعمل في دار الكتب، الاثنين من كل أسبوع يأتي رامي لبيتها في حي عابدين محملًا بكتاب كي تقرأه أم كلثوم، حتى أصبحت ثومة صاحبت الصوت المثقف الذي لا يغني شيئًا إلا وقد تفحصته من كل جانب، واهتدت إليه لحنًا وكلامًا.

ظل رامي المعلم الأول لأم كلثوم على عادته حتى أتاها يومًا بكتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، جلس وبدأ المعلم والشاعر المحبب يشرح لثومة قصة الكتاب الذي استغرق مؤلفه في تأليفه زهاء خمسين عامًا، كيف حمل الأصفهانى كتابه على جمل حتى يهديه إلى سيف الدولة الحمداني، من سرعة حفظ أم كلثوم وذكائها وتذوقها جعل رامي يقول: «التلميذة التي تفوقت على أستاذها».

لم يكن رامي مجرد معلمٍ لأم كلثوم؛ بل كان يعشقها وصدقت ثومة عندما قالت: «لو تزوجت رامي سوف أقضي على إبداعه».

فمن «يا فؤادي رحم الله الهوى» يغير رامي معنى البيت تمامًا ليصبح «يا فؤادي لا تسل أين الهوى»، لم تكن المرة الأولى التي تلجأ فيها ثومة لرامي كي يغير معنى غير مستساغ بالنسبة للمستمع أو ثقيل عليه، فمن الشوقيات اختار لها رامي ما يقرب من الثلاثين بيتًا لتغنيهم، ليصبح ما اختاره رامي من أشهر القصائد التي غنتها أم كلثوم «سلوا قلبي» لحنها السنباطي، أخذت القصيدة بعدًا سياسيًّا عندما غنتها الست، لتغني بعدها أروع ما غنت في المديح النبوي «نهج البردة» لشوقي، لحنها أيضًا «السنباطي» وغنت قصيدة «ولد الهدي» التي طلب القصر منها أن تعدل فيها بيتًا قد كتبه أحمد شوقي، لكنها رفضت أن تعدل أي شيء وغنت القصيدة بالبيت وبلحن رياض السنباطي، كما هو الذي يعد لحنًا دينيًّا عبقريًّا، وهو ما تميز به رياض في قصائده التي لحنها.

الاشتراكيون أنت إمامهم لولا دعاوي القومُ والغلواءُ

وليصف رياض السنباطي علاقته بالست قال: «قصة حياتي هي أم كلثوم».

هَل رَأَى ٱلْحُبُّ سُكَارَى مِثْلَنَا …… كَمْ بَنَيْنَا مِنْ خَيَالٍ حَوْلَنَا

ومَشَيْنَا فِي طَرِيقٍ مُقْمِرٍ …… تَثِبُ ٱلْفَرْحَةُ فِيهِ قَبْلَنَا

أم كلثوم ملأت الكون غناء بصوتها الجبار، يكفي الآه الخارجة منها، يكفي أنها لم تغن شيئًا إلا وكانت تشعر بكل كلمة فيه، لذا كل ما غنته ثومة كان صادقًا خارجًا من قلبها، استحقت أن تخلد، أن تبقى حتى زماننا والزمن الذي سوف يأتي من بعدنا.

في الحفل الخاص بالذكرى الأولى لوفاة كوكب الشرق، بأكاديمية الفنون عام 1976، وقف رامي أمام الرئيس الراحل أنور السادات والأديب يوسف السباعي والكاتب رشاد رشدي، ليلقي قصيدته الأخيرة التي كتبها في رثاء حبيبته أم كلثوم، فكانت قصيدته الأخيرة التي قال في أبياتها:

«ما جال في خاطري أني سأرثيها.. بعد الذي صغت من أشجى أغانيها، قد كنت أسمعها تشدو فتطربني.. واليوم أبكي وأبكيها، وما ظننت وأحلامي تسامرني.. أني سأسهر في ذكرى لياليها».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد