أطروحات فكاهية مرة من شارعنا انطلاقًا إلى بلاد العطر والشوكولاتة.

يتسلق كسبع الليل كما في مخيلتك تمامًا، تنتفخ ضلوعه المدببة تحت جلده السميك المكسو بالفراء الناعم الذهبي. برشاقة يتقافز بين الأحجار المتعرجة والطوب العاري.

يتسلل بين الأقضاب الحديدية في أعلى دور استطاع بلوغه. بعزيمة اندفع بين الثغرات ووصل جهته المنشودة، وهي كنيسة محاطة بالعساكر من كل الجهات.

تجتاحني أطروحات فكاهية مُرة أولها: كيف استطاع اختراقهم! هل هذا القط أجندة أجنبية؟ أم إرهابي لإثارة الفتنة كأسطورة أزلية.

هل تم حشو الصغير بالشرائح الإلكترونية المتصلة بجهة ما خارج البلاد؟

في الحقيقة لقد وقع – المسكين الملام – في غرام فراشة صغيرة، فذهب لرؤيتها ولم يأبه بالعقبات. وكما تعجب أنيس منصور «إن كان الحب أعمى فلِمَ المكياج» أطرح عليها هذا السؤال.

لكن ماذا عن أهلها، هل تتم خطبة القط على الفراشة بسلام؟ أيضطران للهرب إلى آخر المجرة. لأي فصيلة تنتمي ذريتهما؟ سيعتنق الصغار دين الهر أم يتهجنون خليطًا من العقائد؟

تستطيع الأم المكوث بعيدًا عن ذويها طويلًا. لكن ألا تشغلها تربية أطفالها عن دراستها في كلية الآداب الحيوانية الرفيعة، التي ترأسها سلحفاة ابن السفير التيواني الشهير؟ عليها أن توفق إذن بين حياتها الدراسية ودورها الإيجابي أمًا صالحة فاضلة.

التحق صغارهم بمدرسة إنترناشونال باهظة طبعًا، يتعلمون مسميات أجنبية دخيلة كاللانش بوكس وانضمت أمهم إلى جروب الماميز؛ لمناقشة كيف تهجم الفتى المشاغب – مختل الهرمونات – على ابنتها الجميلة واحتضنها عافية بغير رحمة! وهي المذنبة كيف لم تربط معزتها؟

الغلاء يتزايد والبشر يأكلون مخلفاتهم أنفسهم، فخلت صناديق القمامة من بقايا الطعام. كيف بإمكان هر في عمره الصغير إعالة أسرته الهجينة؟ يحتاج لمعجزة ما! لعطف تلك الفتاة العشرينية مثلًا، فترمي له شاورما سورية ساخنة من باب العطف ودعمها المخلص لحقوق الحيوان! ماذا عن حقوق الإنسان؟

«ضبط أطنان اللحوم الفاسدة في أشهر محلات الشاورما والوجبات السريعة بمنطقة المهندسين. هيئة الرقابة تحرز طيور ميتة في أحد المطاعم العالمية بمصر».

حتمًا سيصاب بنزلة معوية حادة!

لا لا تأكل من القمامة يا عامل النظافة! ماذا تركت للقط المريض! يا لوقاحتك تشارك الكائنات الصغيرة طعامها. رحماك يا ربي!

الفقر لا يفرق بين رفاهية جنسية الشعوب يا عزيزي. والهجرة لم تعد سبيلًا لائقًا متوافرًا تجنبًا للزينوفوبيا الرائجة هذه الأيام ومركزها باريس.

والزينوفوبيا تعني – اصطلاحًا – الخوف من كل ما دون جنسيتك، أي كل آت من خارج بلدتك عدو.

فمثلًا منذ بضعة أسابيع تم الهجوم على مسجد أثناء الصلاة في فرنسا. لا شيء يبرر رد العنف بالعنف بالمناسبة إذا أردت اعتباره رد فعل معللًا!

كما البطالة أو الفساد مثلًا، ليست بالقضية المحلية ولا محصورة على مجتمع بعينه، النظرة العنصرية سواء للدين أو اللون والزعزعة والخوف من اختلاف الأفكار والعقائد.

أما عن الطبقات الاجتماعية فالتدرج فن متأصل في جذورنا الميتة!

ربما زرت باريس بلد الرومانسية الفائضة سائحًا أنيقًا، ففاتك متعة التشرد كصاحبنا بطل رواية «متشردًا في باريس ولندن» لجورج أورويل. يشير الكاتب – على استحياء – إلى البورجوازية والشيوعية والعبودية، متضمنًا الحرب والأوضاع الاجتماعية إثرها.

تريد العدل والمساواة؟ الذل هو الأكثر إنصافًا إذن.

سواء كنت عربيًا ألمانيًا روسيًا أو إنجليزيًا كأس البراندي المسروق وقطعة الخبز الجافة بفرنكين تدور على الجميع كسريان المحلول الملحي في عروق البائس المحتضر المريض.

هي رواية من منظور كاتب إنجليزي يغسل الصحون في مطاعم وفنادق باريس الرديئة جدًا مقابل خمسة عشر فرنكًا. ويطرح سؤالًا فلسفيًا: ما الأهمية الاجتماعية لحياة غاسل صحون في جحور فرنسا الساخنة حيث تنخفض السقوف على الرؤوس ويعميك البصل عن الرؤية. إنها ليلة إعدام الطموحات لحاملي الشهادات الجامعية! اضطر لرهن ملابسه وحقيبته ليقتات اللقيمات. ولما حالفه الحظ رافق مريضًا بداء خلقي في وطنه. وظن لندن الفردوس غير أنه ذاق مر ما ذاق! بينما روحه الوطنية جعلته كاذبًا ماهرًا؛ يزين كل شيء للزوجين الرومانيين – اللذين رافقاه في قطار الدرجة الثالثة. فأشاد بالمعمار والفن والأدب والقوانين الإنجليزية وما لبث أن شكا باريس- كحبيبة خانته وجردته من الاشتياق والغرام – واصفًا البلدة بالمبتذلة!

قد تأتيك الحياة بما تبتهج به نفسك فلا تعرف إذا دنوت أتغرق في شبر الماء أم تطير بجناحيك، ثم لا تنجو! لأن البالون المنطادي مثقوب لأن المظلة لم تفتح في غفلة مطر ورعد وبرق.

هي قوة سحرية ما تجعلك مشدوهًا ومغفلًا؛ بانتظار حنان الزمن ورأفة المجهول! وتنتظر بجلد، ولو تعلمنا من عاقبة الأمل دون ملل في قصيدة محمود درويش ما كنا بحمقى. فسرعان ما ضجر صاحبنا انتظار حبيبته بصبر ونبل الأمير البديع الأصيل وأطفأ الشموع برذاذ اللعاب وارتدى بيجامته ولعن أباها.

وقد يطمئن قلبك – عزيزي القارئ – أنك خير حالًا من القطة النافقة في إشارة قصر العيني، وأخذت فراشة ملونة مفرودة الجناحين تبكيها وتحيطها من كل جانب بالدموع الغزيرة. تهارب تعفنها بكل ما أوتيت من قوة وألوان مبهجة آسفة على فراق حبيب.

فبغض النظر عن ارتفاع أسعار المقابر، هناك أصحاب القلوب الرحيمة التي تتكفل بأمور الفقراء وتكريم الإنسان لوجه الله في كل الأحوال. وإن ساء الوضع فحتمًا عم متولي بائع الشباشب وأم شيماء بائعة المناديل قد حجزا مكانين مسبقًا في إناء الفورمالين عندنا في المشرحة. ولن تندهش أنك أيسر رزقًا من بائع البطاطا الموسمية أمام باب سموم بالطبع.

..

إن القضايا المأساوية لا تثير اهتمامات المطلع النهم بقدر ما قد يدهشه كم كيلوجرامًا تزن فيفي عبده؟ وانقر الرابط التالي لمشاهدة الفتى الصغير الذي تحرش بدينا الراقصة أثناء عرضها في فرح أحد المشاهير. لا ألومك؛ فأنت لست عضوًا في أي منظمة حقوقية ولا تعتلي شاشات التلفاز. ويشفع لك أنك لا تتصنع رقة المشاعر وتغرد على حسابك بالإغاثة الدولية والحد من المجاعات أثناء إقامتك في فندق عشر نجوم مثلًا.

«المشكلة أن الناس المثقفين المهذبين أنفسهم المتوقع منهم أن يحملوا آراء ليبرالية لا يختلطون بالفقراء» – جورج أورويل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

متشردا في باريس و لندن لجورج اورويل
اقتحام الشرطة الفرنسية المسجد اثناء الصلاة
تقود مجموعة من الطالبات -في المانيا- حملة ضد الزينوفوبيا
ظهور بعض المحجبات في خلفية مسلسل طبي امريكي
باريس مدينة الحب و الجمال و معاناة المهاجرين العرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد