من باب قول شر البلية ما يضحك، نُشر خبر على موقع أخبار. نت بعنوان “فيس بوك تضيف ميزة لتحديد من سيرث حسابات الموتى”، وفحوى الموضوع أن إدارة فيس بوك بصدد إضافة ميزة جديدة إلى شبكتها الاجتماعية، تتيح للمستخدم تحديد جهة اتصال يمكنها إدارة حسابه بعد وفاته، وذلك في إطار ما يعرف بـ”الحسابات التي يتم إحياء ذكراها”.

أي أن الشخص قبل أن يتوفى يمكنه أن يحدد آخر، يمكن لهذا الآخر أن يستخدم حسابه، ومشاركة الأخبار عليه، كما أن الشخص المُنتظر وفاته يمكنه أن يضع على صفحته رسالة وفاته!

في مصر هذا الأمر سيقابَل بترحاب شديد جدا، إذ أن أغلب الشباب المصري، وهم من مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك؛ معرضون للموت في أي لحظة، بدون أي سبب،  وبدون أي عقوبة للجاني، يمكن للمقتول أن يظل له وجود على قيد الحياة يخبر الأحياء بأنه مازال هنا، مازال حيًا.

طبعاً لن يقف الأمر عند هذا الحد، إذ أنك ستقابل طبعا بصفحات ساخرة تحيي ذكرى الفراعنة وأحفادهم وذكرى ناصر ومحمد علي، ومنهم من سيحيي ذكرى جدهِ، فنحن شعب نحب السخرية.

ولكن هل لك أن تتخيل أن نتمكن من إحياء ذكرى موتانا، هل تتخيل هذا الكم من الأموات والذين سيصبحون أحياء بيننا في عالمنا الافتراضي؟

في حقيقة بسيطة أقول: “أن أغلب الأحياء في وطني هم في الحقيقة أموات يتنفسون”، بالتالي في عالمنا الموازي، أنت لا تحتاج أصلا لأن تتنفس، فقط حسابك وبضع عبارات، يعجب بها أصدقاؤك، وصورتك على البروفايل، وها أنت حي بيننا.

من المحزن أنه وأثناء ترحالي المكوكي على الفيس بوك وجدت أحد “الأحياء” يكتب على صفحات الجرائد الكبيرة في التعليقات “ممكن أتكلم مع حد؟”.

توقفت عند هذا الشخص وقررت أن أتحدث معه، علّه يكون في حاجة إلى من يتحدث معه علّي أمنعه من الانتحار, كي لا يلحق مصيره بمصير الآخرين، حتى لا نجده في النهايه ذكرى يتم إحياؤها بميزة الفيس بوك العظيمة، ولكني امتنعت، توقفت، خشيت أن لا أستطيع مساعدته، هذا الشاب الرياضي، الغطاس، كما هو واضح من صفحته الشخصية على الفيس بوك، سألت نفسي كيف وصل إلى هذا الحال، وسرعان ما تذكرت أنه “ابن النيل، مصري” حتى توقفت أسئلتي الداخلية، وعلى الرغم من شعوري بتأنيب الضمير، إلا أنني امتنعت.
أنا أعرف موقعنا جميعًا، في النهاية تحت الثرى, ولكن أن تكون تحت الثرى حيًا، تظل تصارع الحياة، تظل تطل على الدنيا بشبابك وتهورك, وتصيح بأعلى صوتك أنا هنا “ممكن أتكلم مع حد”، لتفاجأ برصاصة غاشمة تقتلك, من ضابط لا يعرفك، تودي بحياتك، ليحيا قاتلك.

في الفترة الأخيرة بدأت أحمد الله أنني لم أقتل حتى الآن، وأحزن جدا على من يموت من شبابنا، أحزن لأني أعرف أنهم يموتون بلا دية، بلا أدنى شفقة، تقتلهم دماء باردة، ويسومهم أهل وطني العزيز سوء الألفاظ، حتى أنهم لا يتذكرون كلمة “اذكروا محاسن موتاكم” لا يتذكرون شيئًا، أصبح منا الساديون، الأفواه المفرّغة من المعاني.

 

ماذا بعد أن تقتل؟

سنحيي ذكراك ونموت بعدك ونتصارع على فكرة الشهادة “هل أنت شهيد أم لا” ولا شيء يحدث، إذن لمَ تموت؟ من أجل أن يحيا هؤلاء الملاعين، مقطبو الجبين، ومعدومو العقل والتفكير، هل تموت من أجل هؤلاء؟ أعتقد أن حياتك أثمن من أن تموت من أجلهم، حاول أن تغيرهم أفضل لك.

أنا أعلم أننا جميعًا نريد التغيير، ونريد نجاح الثورة، ولكن علينا أن نغير الوسيلة، لا يجب أن نموت إلا إذا قدر الله طبعًا، ولكن لا تلقوا بأنفسكم في طريق القتلة، أنتم وقود الثورة وأنتم أموات، ولكن وقود منتهٍ لا يتجدد، نحن نحتاجك كوقود متجدد، حي، مثمر.

قبل أن تنزل من بيتك عليك أن تسأل نفسك سؤالا، هل أنت مستعد للموت من أجل هؤلاء؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد