عند التتبع لتاريخ الأديان والتدين الناتج  عنه  لدى معظم الأمم؛ تجد أن هناك نقاطًا مشتركة في تاريخ ذلك التدين، سواء كانت هذه المشتركات على مستوى الفعل الإيجابي والانطلاق إلى الواقع لتحقيق مفهوم الدين الحقيقي، وبالتالي سعادة الإنسان والوصول به إلى التكامل بين «الروح والجسد, العقل والعاطفة, الغيب والشهادة…»، وتوجيه قدرات الإنسان نحو الاستثمار الأفضل لها؛ لتحقيق مقاصد الدين «الحرية, العدل, التنمية, العمران, الرحمة …» أو على مستوى الاستغلال السلبي لمفهوم التدين، وبالتالي جعل الدين سببًا في «شقاوة الإنسان» على جميع الأصعدة.

وعندما نتكلم عن الدين والتدين فإننا نقصد «بالدين» تلك الشعائر والمبادئ الكلية التي تفسر حقيقة الكون والإنسان والوجود، ومكانة الإنسان في هذا الوجود، وغاية وجوده الإنساني، وتضع له المقاصد الكلية التي خلق من أجلها، وهذه المبادئ تكون منفصلة عن الزمان والمكان؛ فهي كلية في مضمونها، عالمية في امتدادها. وقد تكون ربانية في مصدرها، وبذلك ستختلف الأديان في مدى اتساعها واستيعابها لهذه النظرة بحسب مصدرية كل (دين). أما «التدين» فهو محاولة تطبيق وتنزيل تلك المبادئ الكلية على شكل ممارسات شعائرية أو شرائعية أو كليهما. وممارسة تلك الشعائر والشرائع على أرض الواقع بغض النظر عن مدى ترابطها واتساقها مع المقصد الكلي من (الدين), ونتيجة لذلك سيغدو التدين فرديًا أو في أقصى حالاته مجتمعيًا خاضعًا للزمان والمكان ومقيدًا بهما وبالعقل البشري، ومدى توازن النفس الإنسانية التي تحاول إنزال المبادئ الكلية على أرض الواقع, ومن هنا يأتي الخلل: فقد نجد تدينًا مطابقًا أو قريبًا من مقاصد الدين المنبثق منه، (وهذه الحالة دائمًا تكون قريبة زمانيًا ومكانيًا من نشأة ذلك الدين)، وفي أحيانٍ أخرى يبتعد كثيرًا عن تلك المقاصد، ويصبح (التدين) بيد مجموعة من الناس (الدهاقنة/ التجار)، سيتثمرونه كما يستثمرون أموالهم، وفي هذه الحالة نرى هناك فرقًا بين الطبقة العليا (الدهاقنة / التجار) وبين الطبقات الأخرى (المتدينين), فالطبقة العليا تمارس التدين وتروج له وتدافع عنه باعتباره (دينًا) وتضع الشعائر والشرائع التي تحقق لها أهدفها التجارية وغاياتها المصلحية، مستخدمة «احتكار» الدهاقنة لأدوات الفهم والتنزيل للمبادئ الكلية، وحجرها على مجموعة من الافراد الذين بمرور الزمن يصبحون جزء من هذه الطبقة «طبقة الدهاقنة», أما «المتدينون» المساكين فقد اوقفوا عقولهم بحجة أن هذه المبادئ لها من يفهمها، ولذا عليهم «التسليم» لكل ما يأتي من الطبقة العليا؛ باعتبار أن الذي يأتي إنما هو دين, وهنا تلعب وسائل التربية والإعلام والترويج دورًا كبيرًا في إقناع المجتمع بهذا التدين، وإنه هو الدين الحق, وعندما يستشعر (الدهاقنة / التجار) بخطر يهددهم ويهدد مصالحهم يلجأون إلى استثمار (احتكار) الفهم للدين في أيديهم؛ للمحافظة على تلك المصالح والمكتسبات، فيصدروا مجموعة من التعليمات والأحكام والفتاوى (الدينية) التي تحقق لهم أهدافهم تلك, وقد يصل الأمر إلى افتعال قتل ديني مع أديان أخرى، وإلباسها لباس «الحروب المقدسة» والترويج لها من خلال إسناد كل تعليماتهم وأحكامهم وفتاواهم بأدلة مطاطية من النصوص والمبادئ الكلية (الدين).

وعند تتبع التاريخ نجد ذلك واضحًا، وبشكل ملفت للنظر، أن (الدهاقنة / التجار) استطاعوا، وبشكل ناجح، إلى حد ما، أن يستثمروا هذا التدين لصالحهم: فمنذ الحروب بين الدولة الساسنية والبيزنطية، وإلباسها لباس الحرب المقدسة، ثم إلى الجزيرة العربية حيث (قريش وملؤها) ومحاربة  (الإسلام) وعدم السماح له بحرية الحركة والنشر والفكر فكانوا يعتبرون التصدي له (تدينًا) وهم «الحمس» كما أطلقوا على أنفسهم، ثم الحروب التي وقعت بن بنية «الجسم الإسلامي»، إن صح التعبير، وإدخال كل من مفهوم «الإمامة، والحكم» تحت مظلة الشرائع الإسلامية التي هي (دين)، وما وقع من معارك بسبب ذلك وظهور الفرق الإسلامية «المتدينة» كنتيجة لذلك، ثم عند الانتقال إلى الحروب الصليبة، واحتلال القدس تجد ذلك واضحًا، ثم من المعارك الأوروبية التي حدثت في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلادي بعد ظهور حركة الإصلاح «البروتستانتية». واليوم ما يفعله «داعش» و«المليشيات» كلها ذات منبع (تديني)، ولكن أولئك التجار، في أعلى هرم تلك التنظيمات، يجيدون استخدام (التدين) وتصديره على أنه (دين).

وكما دأبنا أن لا يتحول مقالنا إلى عرض واقع فقط؛ فهناك مجموعة من النقاط التي تحوله إلى ممارسات عملية:

1- التمييز بين الديني التعبدي، وبين الدنيوي المصالحي، وخاصة عند «الإسلاميين».

2- إفساح المجال لاستثمار إمكانات العقل البشري في فهم المبادئ الكلية (الدين)، وبما يتلاءم مع المقاصد الكلية لأي دين صحيح (الحرية, العدل, التنمية, العمران, الرحمة…).

3- عدم احتكار فهم الدين على أناس معينين دون غيرهم، بل نشر ثقافة فهم الدين، وأسسه بطريقة المنهج العلمي وقواعده بين فئة المثقفين.

4- إعادة قراءة التاريخ للوقوف على آلية استخدام (الدهاقنة/التجار) للدين في معاركهم لتحقيق مصالحهم كي لا تنطلي على الجيل الناشيء ألاعيبهم.

5- تبني مؤسسات المجتمع المدني للقيم الكلية الإنسانية ونشرها بين أفراد الشباب.

6- تعزيز المهارات الحياتية المقررة من قبل «اليونسيف» لدى الشباب؛ لتكوين حصانة ذاتية؛ كي لا ينجر هؤلاء إلى أتون معارك وحروب لابسة لباس الدين، والدين منها براء.

7- تعزيز ثقة المثقفين بالجيل (الرقمي) الناشئ، وإدامة التواصل معهم، والسماح لهم بأن يسألوا ما يشاءون، دون حرج أو تكبيت، واستيعاب تلك الأسئلة، والإجابة عنها بطريقة مقنعة وعلمية.

كل ذلك لا يعني أنه ليس هناك من طبقة (الدهاقنة/ التجار) من يؤمن بالفكرة التي نشرها، بل قد نجد منهم من يموت من أجلها، ويضحي بالغالي والنفيس في سبيلها، فهم مراتب، منهم المؤمن بالفكرة، والمصلحي، والإمعة. كما أن الذي ذكرنا لا يعني عدم قيام حروب، بعيدًا عن الدين أو التدين، بل هناك حروب ومعارك استثمرت الأيديولوجيات كدين لها.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد