كانت انتفاضة شعبنا في يناير مُنذ خمسة أعوام في المقام الأول على مُمارساتٍ استهجنتها الجموعُ الغاضبةُ، وثارت بغية تغييرها وتحويلها، وكُنا من السذاجةِ بمكان إذ اعتقدنا بإطلاق سُلطان التشريعِ وَحده بلا محدودية وصُوِرَ لنا عن قِصَرِ نظرٍ وتَجهيل أن التغيير المُتاح بل الوحيد لإزاحة مثل هذه السلوكيات والممارسات هو بسنَّ التشريعات المُقيدة لها المُعاقبة لمُرتكبيها، ولم يخطر لعقولنا آنئذٍ أن هذا دربٌ من المستحيل لا يمكن المُضي فيه!

وكان مما أثار حفيظتنا وما زال بالفعل هو فرضُ الارتشاء «العَيني» الواجب على القادر وغير القادر بحق حضرات جحافل موظفي المصالح الحكومية العشوائية المُترامية من صغيرهم إلى كبيرهم؛ لضمان إنجاز «أية مصلحة» حتى لو كانت بتفاهة استخراج صورة إلكترونية من شهادة ميلاد موجودة بالفعل!

وتفَشى اليقين فينا قانعين أن ثورةً خلعت نظامًا كاملًا «ظاهريًا» بإمكانها من خلال مؤسسات غائبة كالبرلمان ومجلس الشورى «اللي محدش عارف له لازمة في مصر» أن تعدل ميزان مُجتمعٍ مائلٍ أوشك على التَرَدي والسقوط الكامل أخلاقيًا و قيميًا قبل انهياره مُجتمعيًا واقتصاديًا، غافلين عن أن القوانين لا تُغير ثقافة مُجتمع وعادة مُستساغة «بالسكوت عنها على الأقل» بين جموع المُجتمع، وعدم وضع حل جذري لها، الأمر الذى تلاشاه «في قضية ارتشاء الموظفين» الرؤساء المُتلاحقون منذ بداية الجمهورية وحتى هذه اللحظة؛ تلافيًا لصِدامٍ تُخرَقُ فيه السفينة ويطال الغرق رقاب الجميع.

إن الجُرم إذا عمَّ ينقلبُ إلى حق، والحرامُ إذا شاع يُصبحُ حلالًا «من منظور دنيوي وليس دينيًا» ولو غيره الرافضون بقلوبهم، والسلوك إذا انتشر وبات مُتكررًا تَحول إلى عادة، وما لم يجد شخصٌ غضاضة فيها اكتسبت قُدسية وبلغت منزلة العُرف، ومن هنا أصبحت تقليدًا واجبًا معمولًا به وشعيرة حاضرة متى حان أذانها وَجَب على السامعين القيامُ إليها وقضاؤها.

علم القائمون على صناعة القرار، والحلول ماثلة أمامهم أن فيها فتحًا لبابٍ جديد تفد منه ريح صرصرٌ عاتية تُدمر القلوع وتُجفف الينابيع على أقل تقديرٍ واحتمال، هِب مثلًا أنهم أرادوا حلًا جذريًا للمشكلة حتى يقوا المواطن شر التذلل والابتزاز، فلن يخرجوا بعد التفكير الشديد عن احتمالاتٍ ثلاث فإما غذوا جيوبًا نبتت من حرامٍ بالحلال فرفعوا الدخول وزادوا المُرتبات «وهو ما لن تتحمله خزانتهم» حتى تستوفي نسبة الحلال ما أُخذ بسيف الحياة من نسبة الحرام فلا تتأثر حالتهم الاجتماعية وأوضاع ذويهم، وإما حشدوا النفوس وجَيَّشوا المفتشين والمراقبين فتحملوا رواتب إلزامية إضافية من ناحية، ومن أخرى وضعوا أنفسهم على فوهة مدفع من كانوا العمَد الأول لنظامهم على مدار عقود.

وإما سلكوا سبيل الفِطنة ودربَ الكياسة فمضوا على طريق محكوميهم  فأداروا طرفهم عن الظاهرة وفتحوا أيديهم لأقصر الطرق وأسهلها؛ فاجتهدوا وقنَّنوا الأمر «وهو ما فعله النظام الحالي إزاء هذه القضية» واتفق مُشرعوهم على اصطلاح «هدية» يؤديها المواطن الحبوب لموظف الحكومة لنيل المرغوب وحُددت لها نسبة حلال «42 دولارًا أي ما يُعادل وقت صدور القانون  300 جنيه مصري» ليبقى السؤال الأهم هو هل يُهادى الموظفون الآن بما يُعادل قيمة الدولارات من الجنيه العائم أم ترانا نكتفى بالــ«300 جنيه» والدعاء بالبركة؟

على كُلٍّ فإن القوانين لا تُبدل، وإنما تُنظم سير ما هو موجودٌ بالممارسةِ والفعل، ولا تكفينا الأحبار وجرات الأقلام ما وَسِعت لاستئصال فساد أو إصلاح خلل، إنما يكون الحل الوحيدُ الظاهر لنا كبعيدين عن دوائر الحكم هو إعادة توزيع الدخل ووضع حد أقصى للأجور حتى لا يسرق ولا يختلس أحد، و يتوقف سلسال النهش والتقطيع الذي ينهجه كل من علا بحق كل من عجز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الرشوة
عرض التعليقات
تحميل المزيد