في مناقشة حامية الوطيس بين بعض أقطاب دور نشر الكتب الإسلامية في مصر والعالم العربي على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، استخدم البعض مفهوم “التسليع” كتبرير لانتشار تجارة المكتبات الحديثة التي تقوم على بيع الكتب “الأكثر مبيعًا Best Seller” بدلًا من الاعتراف بإطراد اعتناق ثقافة القراءة بين الجمهور. وفي رأيي، مبدئيًّا، من أجل الفصل بين معارك المفاهيم، يمكن تفكيك مفهومِ كـ”التسليع” إلى “غرز الحدث كقيمة ثابتة من ضمن الثوابت!” على عكس ذلك نجد “التسويق” أو “الترويج”، لأي حدث معنوي “كالمثلية” أو مادي “كالكتب” مثلًا، فهما مجرد مفهومين تجاريين تفرضهما أسباب السوق والقاعدة الجماهرية المتحكمة في ذلك السوق! انتشار سلاسل المكتبات على غرار النمط التسويقي يدخل في نطاق “انتشار التسويق” أو “الترويج”، سعيًا وراء ما أحدثه انتشار الكتب بين الناس من رواج مادي، وهو بالتأكيد ليس تسليعًا! لأنه لو كان كذلك لرأيت خيار “الجزار” البديهي في افتتاح باب رزق هو “مكتبة” بدلًا من “محل للجزارة”! أي أنها لم ترقَ لتكون قيمة مغروزة في سجل القيم المجتمعية المصرية إلى الآن. والسؤال، بعد حل جدلية التسليع المغلوطة هنا، هل انتشار ثقافة القراءة بين أطياف الناس المختلفة، الشباب منهم على وجه التخصيصِ، كان سببًا في انتشار “تجارة” سلاسل المكتبات، أم العكس! الإجابة في رأيي، أن انتشار الفعل، جلب ردَ فعل! أيًّا كان البادئ! فالكتب الإسلامية على سبيل المثال، غزيرة الإنتاج منذ الثمانينات أو قُل قبل ذلك، وكان ولا يزال لها جمهورها المعروف الذي باستطاعته التعايش معها ولأجلها في الظل، إلا أنها لم تدخل مضمار لعبة “التسويق” إلا مؤخرًا، فبات لها نجوم من الكتّاب من يتشابهون في “حداثتهم” و”حضورهم البراق” كالرائج بين أطياف المثقفين العمومين (ذوي الاهتمام غير الإسلامي من الأدب والعلوم وغيرها). ومن باب ضرب الأمثلةَ للناسِ لعلهم يتفكرون: نجد ظاهرةً كالسمنة في الخليج من أكثر الأمراض ذيوعًا! فأرجعَ بعضُهم ذلك لانتشار ثقافة “الوجبات السريعة Fast Food”، إلا أن البيوت الخليجية معروفة بمحافظتها الدؤوبة على طقوس الطبخ المنزلي بشكل يومي (فالطعام الخليجي “Gulf Cuisine” لم تدخل عليه إضافات دخيلة تقلل من فرص الإصابة بأمراض القلب والسكر نظرًا لدسامة مكوناته كما حدث مثلًا للطعام المغربي “Moroccan Cuisine” نظرًا للاستعداد الفطري لديه في استخدام مكونات أكثر صحة كزيت الزيتون بالإضافة للاختلاط الثقافي بالطعام الفرنسي الأكثر خفة)، بالرغم من ذلك تجد أن سلاسل “حق امتياز التجارةِ Franchise” الخاصة بمطاعم “الوجبات الجاهزة” في تزايد مخيف! هل السبب وراء انتشار السمنة “رد الفعل” في هذه الحالة انتشار المطاعم (كفعل)، (بالرغم مما ذكرناه من دسامة الطعام الخليجي أصلًا) أم انتشار ثقافة “السيولة المادية” (كفعل)! في رأيي هي تلك الأخيرة بكل تأكيد.. فنجد أن الخيار الأول لأي مستثمر بالخليج هو فتح “مطعم”، وبالرغم من وجود عدد معدود من المكتبات المهتمة بتجارة “أحدث الكتب إصدارًا” فهي على ندرتها لها مدخولاتها الشهرية المتزايدة وجمهورها الثابت وشهرتها الثقافية المعروفة! وعودة للنموذج المصري، فانتشار المفهوم الحداثي المصاحب لبريق “المكتبات”، أيًّا كانت ما تقدمه من روايات دون المستوى وكُتب تُشبع الرغبة “السُبكية” للجمهور، كما يروق للبعض أن يُصنفها، إلا أنها في النهاية أدت إلى رواج كيان “الكتاب” نفسه! وهي خطوة مبدئية جيدة في سبيل رفع مستوى القراءة بشكل عام! فبالرغم من أصالة جمهور الكتاب “الإسلامي” العاكف بالظل منذ عشرات السنوات وازدياده عامًا تلو آخر في صمت، نظرًا لسياسات القمع والمصادرة التي مارستها النظم السياسية على المفكرين الإسلاميين! لم يُشَرعَن لـ”الكتاب الإسلامي” دخوله ساحة الشهرة بخطوات واثقة إلا بأمرين: 1- اهتمام غير ذوي الإيديولوجية الإسلامية من المفكرين بالكتابة عن تلك الإيديولوجية، على اختلاف الدافع دفاعًا أو قدحًا! فاستدرجوا معهم جمهورهم نحو المنطقة الفاصلة بين الثقافة العامة (مما برعوا بالكتابة فيها)، وبين “الأرض الوسيطة” من المواضيع التي تفصلهم عن “معاقل” التوجهات الإسلامية التي لا يفك طلاسمها إلا أصحابها! 2- اقتحام المفكرين الإسلاميين مجالات الثقافة العامة، من نقد شعري وأدبي واجتماعي في محاولات “بايونيرية”، كانت في معظم الأحيان موفقة إلى حد ما، لفرض الطابع الإسلامي على مفاهيم الثقافة العامة من منطلق “فإن لم تستطع فبلسانك”!! وأولئك جلبوا معهم جمهورهم العرمرم من القراء والمُريدين لنفس “الأرض الواسطة” بين الثقافة العامة بكل جوانبها المباحة، والثقافة الإسلامية بشفراتها المفككة وفقط من قبل المنتمين لها بالدم والفكر! وعلى ما تقدم، نشأت تلك المنطقة المحايدة بين المُعسكرين لينشأ مفهوم حداثة المواضيع المطروحة، وتبسيطها وانتشارها بالتبعية بين الجمهوريين! الأمر الذي التقطه “التجار” من الجانبين، كعادة أي جديد، واستثمروه مستغلين الرواج الحادث للكتاب الإسلامي “الخفيف- Light” والمواضيع “الإسلامية الحديثة Modern Islamist” بين الطرفين! ولسنا هنا في معرض ذك أولئك التجار، فالتجارة تسعة أعشار الرزق وإن كره الكارهون! بغض النظر عن سوء الاستخدام المنتشر بين المثقفين لتوظيف نقد الرأسمالية على كل شيء بنفس أسلوب “المنديل الورقي – Tissue” سهل الاستخدام! بالنهاية نجد جمهورَ الأرض الوسيطة “the middle earth” هو صاحب المبادرة “الأولية” في خلق ثقافة المكتبات وليس العكس، وذلك من منظور “تروجي” يرقى عن مفهوم “التجارة” بما تصاحبها من نظرات دونية سيئة السمعة! فاستعرض الأمر دخولًا للتطوير، كأي شيء في الحياة، فأصبحت دفة قيادة السوق بأيدي التجار، وهو بالتأكيد ليس تسليعًا، لأن تاجر المكتبة “غير المخلص، والمُحدث في الصَنعة” إذا ضربته سنين عجاف سيقلب مكتبته محلًا “للفول وفلافل” بلا أدنى تردد! وفي مقارنة كوميدية بين واقع المكتبات في مصر والخليج، نجد أن خيار افتتاح مستثمرٍ مصري مكتبةً، في الآونة الأخيرة، من نفس المنظور ما بعد الحداثي كما ذكرنا آنفًا، سيفوق خيار الخليجي، البديهي، في افتتاح مطعم…! هل نستطيع عندئذ أن نزعم أن الكتاب للمصري بات أهم من “الطعام!!”. تلك جدليةٌ أخرى.. ربما يعجز توظيف هرمية ماسلو للحاجاتِ عن حلها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد