هناك حضور قوي لفكرة المخلص عندما تبدأ أزمة ضخمة أو اضطراب حكومات لها مكانة كبرى بالعالم، أو وباء أو عندما نفقد الأمل، لعل معظم الديانات لها نفس الفكرة لنهاية العالم.

والإشارة خطيرة للمستقبل، فالشيء المريع والمخيف أن هنالك أشخاصًا يكرسون وقتًا ليس بالهين للعمل على هذه الفكرة، وهذا حاضر أيضًا في جهازنا النفسي، وهناك دافع بصري لإدراك سيناريو نهاية العالم، إذ أصبحت هناك نظرة ملحة لغير ذلك، كـ«المسيح الدجال» أو غيره.

في هذه الرغبة تحدث جميع أنواع التشويه التاريخي، هناك قدر كبير من الفقر والبؤس والألم والمعاناة، وسياسيين لا يعلمون التفاعل مع ما يحدث، لأن كل تفكير لهم بالقبلية وتمجيدها، وبالتالي لا يمكن الاعتماد على أي ساسة أو قادة أو كتاب، حتى علماء النفس، ببساطة لأنهم لم يتمكنوا من حل مشاكلنا الاٍنسانية، والأهم نحن بوصفنا بشرًا عاديين لا نستطيع فعل شيء حيال ذلك.

في باطن عقولنا وقلوبنا نعيش في حيرة، بدون أمن، ليس على أنفسنا فقط، بل بسبب ضبابية المستقبل لنا وللأجيال القادمة، لأن بعض الأشخاص والطوائف قسموا البشر إلى جماعات. أن تفكر في الأمر أو فيما حدث على أن هناك أزمة اقتصادية وااجتماعية هذا يحوي كثيرًا من السطحية، لأن الأزمة فعلا هي «أزمة وعي»، والذي هو عمليًا في وجودنا ومعتقدتنا، واستنتاجاتنا، ومخاوفنا.

وهناك مشكلة الألم والحزن التي لم نجد سبيلًا لإلغائها، سواء كنت في أي بقعة على الأرض، محتوى الوعي الذي نمتلك هو الأساس المشترك للبشرية كلها، أنا باعتباري إنسانًا يعيش في هذا الجزء من العالم أعاني ليس جسديًا فقط أيضًا داخليًا، لدينا قلق ،وشك، وخوف، وارتباك، لكن هذا الشيء قد يشعر به أي إنسان في العالم، لأن لنا وعيًا مشتركًا وعموميًا، وليس هذا فقط بل هناك الأشياء التي تتجاوز الأمور الحسية والجسدية، البحث عن معنى.

أيضا هناك شخص لفظ به القدر إلى برلين أو المكسيك يعاني نفس المشكلة التي تعانيها، وأيضًا علاقتنا مع بعضنا البعض، لأن لنا وعيًا مشتركًا، ولأننا تدربنا وتعلمنا أن نكون أرواحًا منفصلة.

النضال «من أجل الذات»

بسبب هذ الوهم، أصبح هذا الوعي يعاني من نوبات عصبية من الذعر والرهبة، عندما أصبحنا كائنات منفصلة مع محتوى سيكولوجي منفصل، تكافح «من أجل ذاتك».

ففي الواقع كل شخص هو بقية الآخرين، إذا كان هذا الوجود مجرد ومضة برق بين أبديتين من الظلمات، إذن لا يوجد أبشع من هذا الوجود، الوجود الحقيقي أن تكون «الذات صلة»، والذات صلة هي المشكلة الحقيقية في وجودنا، في علاقتنا مع بعضنا البعض.

هناك صراع هائل، حتى بين الرجل والمرأة، صراع بدأ منذ عشرات آلاف السنين إلى اليوم لا نعرف كيفية حل هذا الصراع، لماذا؟ لأن كل شخص له صورته الخاصة التي تم تجميعها ورسمها عن طريق التفكير، وعلاقتنا تعتمد على هاتين الصورتين. مثلا، الصورة التي خلقتها المرأة عن الرجل، والصورة التي خلقها الرجل عن المرأة، وفي هذه الصورتين نعيش معًا، هذه بنية بصرية، لغوية، لفظية.

كل هذه الصورة وضعها التفكير، جدير بالذكر أن ليس ذلك له علاقة بالحب، للأسف معظم علاقات الحب مبنية على الذاكرة؛ ذكريات العلاقة وصور، واستنتاجات عن بعضنا البعض، لأنها نتاج لمجموعة من الذكريات وهذا ليس بحب، لكن الصورة التي وضعها الفكر وجمعها عن الآخر.

ولفهم العلاقة يجب أن ندرك كيف يتحرك التفكير؟ لأننا نعيش داخل هذا الفكر، إننا نبني الوجود عن طريق الفكر، ولعل حسين البرغوثي يذكر هذا في كتابه «الضوء الأزرق»؛ لمّا نسأل الشخصية الرئيسة في روايته عن معنى العقل؟ يجيب: «نحن فيه وهو فينا، أبصر إلى المقهى، فهذا المقهى كان حلمًا في خيال صاحبه وبناه، وها نحن نلعب الشطرنج في داخل حلم صاحب المقهى، تخيل أنه توجد مجرة مضيئة ومنفصلة وتدور حول محورها وتسبح في داخل كل «ذهن»، فكل مبنى قد بني من فكر، إن كنت بداخله فأنت بداخل فكر صاحبه.

لكن رغم جمالية ومحتوى هذه المباني، في داخلها أيضًا صنعنا أدوات نحارب فيها بعضنا البعض، إذ نعيش على بالفكر الذي جلب الحزن والمعاناة للبشرية، وهذا الفكر إن أمعنا فيه النظر نلاحظ أنه لا شيء سوى استجابة لذاكرة، لذلك يجب دراسة عملية التفكير بعناية. يمكن القول أن الفكر هو استجابة لذاكرة، ليست فقط استجابة لفكرة قد مضت بل أيضًا فكرة تصور نفسها على أنها في المستقبل.

ولأن من الذاكرة نشأت معرفة والمعرفة تتم من خلال التجارب، فكلنا نعيش في هذه الدائرة؛ الخبرة نتج عنها المعرفة، المعرفة نتج عنها الذاكرة، ومن هذه الذاكرة ينتج الفكر، ومن ثمَّ الأفعال.

إن كل هذا نتج عن فكر، وهو ليس شيئًا مقدسًا، هو عملية مادية، وهو ما نعتمد عليه في حل جميع مشاكلنا، إن كانت سياسية أو دينية، أو حتى على صعيد العلاقات الشخصية. فقط من خلال التفكير، والمصيبة أن عقولنا مكيفة ومجهزة لحل المشاكل الناتجة عن التفكير، الفكر خلق المشكلة، وبعدها ندرب أدمغتنا على حلها بنفس الطريقة «بالتفكير»، هكذا نسقط في عادتنا القديمة والروتينية، وتصير مشاكلنا أكثر تعقيدًا.

لهذا السبب يجب أن نفهم طبيعة الفكر، وكيف يعتمد تفكيرنا على التذكر، كأشياء ماضية وعلى معرفة غير كاملة لأنها تسكن في ظل الجهل، وعلاقتنا مع البعض بغض النظر عن قوتها، لو لاحظناها عن قرب فهي تعتمد على التذكر أي على الفكر.

نميل دائمًا لتصديق أفكارنا، نتيجة افتراض أن العقل هو أداة تهدف إلى مساعدتنا على تحديد ووصف الحقائق، في الواقع عقل الإنسان هو أداة ناقصة، وغير مكتملة ولا تزال في طور النمو، ولا يمكننا الاعتماد عليها بكل شيء، حياتنا في الأساس هو هذا الجهد التي تبدله ذاكرتنا، كي نستمر في البقاء، فوعينا يعيش في الذاكرة؛ يعيش فيها ويعيش بها.

بعد كل هذا هل يوجد سبيل آخر؟ وما معنى أن نتوقف عن التفكير؟ هذا فيه شيء من التناقض والمستحيل، من هو هذا الكيان الذي سيصرخ بإيقاف التفكير؟ هذا سخيف، لأن هذا الكيان الذي يريد أن يوقف التفكير هو جزء من التفكير، نحن لسنا سوى ذاكرة ومتعلقين بهذه الذاكرة: بيتي، عائلتي، علاقاتي، تجاربي.

اٍن التعلق بالذاكرة هو الخوف من الوحدة والعزلة والاكتئاب، وتعلقنا بالأشياء والآخرين المتعلقين بهذه الذاكرة، وعندما يوجد التعلق تبدأ المشاكل، فتلاحظ شيئًا اسمه «فساد».

شخصيًا لا أملك إجابة أو حلًا، لكن أعتقد أن مشاكلنا في الحياة معقدة. يمكن أن نجرب لنعرف أن وعيي ووعيك ووعي الآخرين، هو نفس الوعي بالنسبة لبقية البشر، وقد نخرج من هذه الأزمة، بدون معلم ،بدون قائد.

أنا بنفسي المعلم وفي نفس الوقت التلميذ، عندما أصبح أنا نفسي نورًا لذاتي، ولا أعتمد على أي شخص، ممكن أن أخرج من طور التفكير إلى دور التأمل والمراقبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد