المشكلة في الثقافة أنها علمتنا أن العالم شيء واحد أو عدة أشياء، ولكن العالم له أبعاد تتجاوز الممكنات الوصفية التي نطبقها عليه، إن جوهر النضج الفكري هو القدرة على حمل فكرتين متناقضتين في نفس الوقت، كاعتبار القانون العام للوجود، أن الوجود واللاوجود شيء واحد، فإن طبيعة العالم مركب من أضداد نفسه مبحث التناقض لدى الفيلسوف اليوناني هيراقليطس.

ولكن الثقافة لا تريدنا أن نفكر بهذه الطريقة، لأن الثقافة هي نظام مغلق التفكير والقيم، وهي أكبر عائق أمام التنوير الخاص بنا، وهذه الثقافة هي التي تنصحنا دائمًا بالرجوع إلى الجذور، والتواصل مع العرق الأصلي لا حرج في ذلك، لكن يوجد أهم من كل هذا، وأعتقد أن إنسانيتنا ضاعت في هذا الزحام العرقي، كل هذه الأشياء وضعة بطريقة أو أخرى حاجز بيننا وبين إنسانيتنا الحقيقية، ومن خلال التجربة والغوص في صفحات التاريخ، وجدنا أن الثقافة لم تكن صديقة لنا، وهناك نوع من الاغتراب يكمن في عملية التفكير التي تعودنا عليها، لا يمكن أن نبقى جاهلين إلى الأبد، هذه الثقافة هي التي سحقت طموحاتك المهنية وصفقاتك المهنية، وميولك الجمالي والفني والجنسية أيضًا، وحجمتها إلى الحد الأدنى من خلال هذه القيم الثقافية، ولو كنا نفكر أن الثقافة هي ليست بعدو لك. لنطرح سؤال عن الطفل ابن 16سنة الذي تم منحه بندقية وأرسلوه إلى الجانب الآخر من العالم ليقتل أناسًا لا يعرفهم أصلًا.

كل هذه الأمثلة المتطرفة هي إشارة للعبة من نوع ما من الواقع الافتراضي، ودائمًا ما نرجع مفرد «الواقع الافتراضي» إلى ما هو على شاشة الحاسوب أو خلال سماعات.. بطبع هذا واقع افتراضي إلكتروني، لكن التكنولوجيا الأساسية لبناء الحقائق الافتراضية الثقافية هي اللغة، بمجرد البدء في حديث مفعم بالاعتزاز والولاء للعرق والمصير وآلهتك.. هذه هي الأشياء التي تبني حقائق افتراضية، وبعدها نبدأ في التعامل مع هذه الأشياء كما وأنها جوهر الأشياء ونبني حياتنا على شكل حقيقي، يمكن أن نسمي هذا الشيء: تحجيم للإنسانية، حيث نختار تحجيم أنفسنا على واقع افتراضي، سواء كنت مسيحيًا، مسلمًا، يهوديًا، أو بوذيًا… وما من تعبير يصف بدقة حال الناس كتوصيف بينيامين عندما قال: «كل طائفة تفترض أنها تمتلك كل الحقيقة، وكل الآخرين الذين يختلفون عنها مغرقون في الخطأ. كرجل يسافر في طقس ضبابي يرى أولئك الذين أمامه على مسافة ما من الطريق ملتفين بالضباب، وأيضًا الناس في الحقول على جانب الطريق. لكن كل من هو قريب منه يظهر له بوضوح. مع أنه في الحقيقة غارق في الضباب تمامًا كحال أي أحد منهم».

إن الثقافات التي تطورت تاريخيًا في رقع جغرافية منفصلة، هي أشبه بالشركات الإحتكارية، لا تنافسية. ولهذا يسمى انتشار أفكار ثقافة غريبة عن مجتمع ما في ذلك المجتمع: الغزو الثقافي. وحينما يراودك سؤال كيف يتم إقناع مجموع من البشر أن ثقافتهم هي المثالية والكاملة؟

فهم كائنات مبرمجة، كما وصفها مارك توين في كتابه ما الانسان أن: الأمم لا تفكر، إنما تشعر فقط. ومن جهة ثانية، تأتيهم مشاعرهم من خلال أمزجتهم، لا أدمغتهم. كل أمة يمكن أن تجلب بواسطة الظروف، لا المجادلات – على موائمة نفسها لأي نوع من الحكومات أو الأديان التي يكن ابتكارها. مع الوقت إنها ستلائم نفسها مع الظروف المطلوبة. لاحقًا ستفضلهم وستقاتل بشراسة من أجلهم. لمثل هذه الحالات، لديك التاريخ كله: اليونان، الرومان، الفرس، المصريون، الروس، الألمان، الفرنسيون، الإنكليز، الإسبان، الأمريكيون، الأمريكيون الجنوبيون، اليابانيون، الصينيون، الهندوس، الأتراك. ألف من الأديان الهمجية والوديعة، كل نوع حكومة يمكن أن تخطر على بال، من نمر إلى قطة منزلية. كل أمة تعرف أنها تملك الدين الوحيد الصحيح، ونظام الحكومة العقلاني الوحيد. كل منهم يحتقر كل الآخرين. كل منهم هو حمار، ولكنه لا يشعر بذلك. كل منهم فخور بتفوقه الخيالي. كل منهم يعتقد جازمًا أنه الطفل المدلل للرب، كل منهم بدون أدنى شك واثق وهو يدعوه کي يدعمه في وقت الحرب. كل منهم يدهش عندما يذهب دعم الرب إلى الأعداء، لكنه بحكم العادة قادر على تبرير ذلك واستئناف الثناء عليه. باختصار كل الجنس البشري راض. راض دائمًا. راض باستمرار. لا يمكن لشيء أن يخرب رضاه. سعيد، ممتن، فخور، بغض النظر عن دينه، وسواء كان سيده نمرًا أم قطة منزلية.

أعتقد أنه جزء من أن تكون كائن حي على هذه الأرض، هو التفكير بالحصول على الكون بداخلك، وهذا الشيء يمكن الوصول إليه حيث هناك الجبال والأنهار والأدغال والكواكب والأعمال الفنية، والشعر والعلوم، والسحر، وملايين من العوالم الأخرى، ونحن بالحاجة إلى عالمك، نحتاج حلول وأفكار جديدة، إن العالم في تغير مستمر بشكل مضّر، فلنتخيل أغنى 70 إنسانًا بالعالم، إن ثروتهم المشتركة تعادل الثروة المتراكمة لنصف سكان الأرض، هناك شيء ليس بطبيعي، وغير صحيح بالطريقة التي نظمت بها الأسرة البشرية علاقتها الاقتصادية، ومن الواضح أننا جميعًا في أزمة اقتصادية طويلة الأمد، ولدينا أزمة هي أخطر من ذلك فقد أفرزتنا كمية هائلة من ثاني أكسيد الكربون في جو هذا الكوكب لخلق الحياة الصناعية التي نحن عليها وهذه الغازات اليوم تمنع حرارة الشمس أن تصل إلى الأرض، نحن في الوقت الحقيقي لتغير المناخي – ولم تعد نظرية فقط – فتغير المناخ كان في بيوتنا واقتحم الباب.

العلماء اليوم يقولون إننا في فترة بداية الإنقراض السادس للحياة على هذه الأرض، وللأسف نحتاج ما يزيد عن 10 ملايين من السنين لاستعادة الحياة جديدة على هذه الأرض، الستون أو السبعون سنة القادمة سنفقد أكثر من نصف أنوع الحياة التي تعيش الآن، لكن لا ندرك ضخامة هذا الموضوع وخطورته، إذا ما نحتاجه اليوم، هو وعي كوني، نرى كيف يؤثر المناخ على مجتمعنا العالمي بأكمله، ندرك أننا جزء من هذا المجتمع العالمي والنظام الطبيعي… وتتكاثف في وحدات اجتماعية أكبر، حتى نرى أنفسنا جزءًا من قوة حياة واحدة على هذا الكوكب.

هل ندرك أن 40% من الأراضي الزراعية مستخدمة لزراعة للأعلاف للحيوانات نفسها، كالأبقار التي تحتاج أربعة كيلوجرامات من الأعلاف لإنتاج 500 جرام من اللحم، والسبب الثاني لتغير المناخ، هو استهلاك اللحوم، لدينا ما يقارب مليار ونصف بقرة في العالم، وغاز الميثان الذي تنتجه الأبقار هو مساهم رئيس في ظاهرة الاحتباس الحراري، وهو أقوى بكثير من ثنائي أكسيد الكربون، والغريب أن هناك خوفًا وارتباكًا فظيعًا عندما يتم الحديث عن هذا الموضوع، تجنبًا لقلق إذا تم اقتراح تغيير نظام غذائي والانتقال إلى السلسلة النباتية لنتمكن من العيش بصحة جيدة، واحترام مخلوقات شركاء معنا في هذه الأرض، وحاليًا نحن في صراع مع فيروسات مثل COVID-19 الذي خلق الرهب في الشعوب ويهدد وجودنا على هذه الأرض.

وحديثي هذا ليس له علاقة بعالم مثالي أو يوتوبيا، بل هذه حاجة وضرورة يجب التعامل معها على أنها حالة طارئة، فنحن في الحاجة إلى الشعور الأساسي بالوحدة العالمية، وهذا لا ينبع فقط من الحث الفكري والنصيحة، بل القدرة والشجاعة على الاستسلام لما هو صحيح.

والسؤال الذي يظل يفرض نفسه حاليًا: هل يمكننا تغيير عقولنا بسرعة كافية لأن الوقت ليس في صالحنا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد