من منا لا يتمنى أن يأتي اليوم الذي يعم فيه السلام الكرة الأرضية، وأن نعيش في عالم خال من الحروب والصراعات، يلقي المسيحي على صديقه المسلم تحية الصباح، ويهدي البوذي لصديقه الملحد هدية، ويقضي الاسلامي مع صديقه اليساري أمسية حلوة على ضفاف الوادي، وتأتيني أنا صديقتي غير المحجبة بوردة فأقطف لها من حديقة الياسمين باقة ورود.

أعلم أن الأمر صعب، لكنه ليس بالمستحيل، فلو آمن كل منا بثقافة المشترك الانساني، وبادر للبحث على ما يجمعنا ويوحدنا، كي نصيغ جميعا أرضية مشتركة ننطلق منها مع مرعاة اختلافنا، لتفادينا العديد من الصدامات والحروب الدموية، ولانقلبت مشاعر الحقد والتعصب التي بداخلنا، الى مشاعر حب وود لكل انسان، مراعين بذلك سنة الاختلاف الكونية، وأن الاختلاف رحمة.

الحرية، العدالة، الكرامة، … كلها وغيرها قيم ومطالب لا يوجد إنسان فوق كوكب الأرض لا يناشدها، ولا يصرخ بأعلى صوته مطالبًا بها، غربيًا كان أو عربيًا، مهما كانت ديانته ومهما كانت أيديولوجيته، وذلك لأنها قيم كونية مشتركة بين جميع البشر تتوحد عليها الإنسانية، من شرق الأرض إلى مغاربها.

وبالتالي فالمشترك الإنساني؛ هو كل ما يوحد الإنسانية من قيم ومطالب..لا تحابي ديانة أو تيارًا، وهو الأرضية المشتركة التي وجب الانطلاق منها لتفادي الخصومات، ولو بحثنا في كتب التاريخ والأصول والأدب لوجدنا نماذج وصورًا غنية لثقافة المشترك، تحتاج أن نقف عندها ونتدارسها.

والغاية من المشترك الإنساني هي الزيادة من فرص التعارف بين البشر، وتقليل فرص التصادم بينهم، وذلك عن طريق البحث عن مشتركات، يلتقي الناس جميعًا عليها، من أجل انقاذ البشرية من مهالك وكوارث كونية، تكفي الواحدة منها إلى إفناء النوع البشري.

لكم يحز في النفس أن نسمع خبر قتل شخص لأخيه الإنسان، وخبر هذا يعتدي على هذا! الغربي يتهم المسلم بالارهاب، والمسلم يفسق أخاه المسلم، اليساري يصف الإسلامي بالظلامي المتخلف، والإسلامي يبحث عن نعوت تشفي غليله ليرد له الصاع صاعين، شباب هذا الحزب كل همهم تشويه سمعة الحزب الآخر، وشباب الحزب الآخر انتصبوا للدفاع عن مشروعهم بالسب والشتم… حتى ما عدنا نعرف هل علينا أن نقف مع هذا أم مع ذاك؟وهل هي أزمة أخلاق، أم أزمة تربية، أم أزمة ماذا؟

فكيف يمكننا أن نتجاوز ذلك ونتخلص من عقدة التعصب؟

ببساطة.. أن نبحث عن المشترك بيننا وأن نقتنع بحق الآخر في اختيار توجهاته وقناعاته، وأن نعي ونستوعب أن زمن فرض الرأي بقوة السيف والسلاح قد انتهى، وهذا من مقارعة الحجة بحجة أقوى منها، ومواجهة الفكر بفكر أصلب منه.

أن نربي أنفسنا وأبناءنا على احترام الآخر لا لشي فقط لأنه إنسان مثلي، له الحق في الحياة الكريمة والعدالة والحرية.

أن نوظف إعلامنا من أجل نشر ثقافة المشترك لا الهدم، وأن ينشر المحبة والقيم في صفوف الناشئة، لا صور الحقد والتعصب.

وأن نربي قواعد الأحزاب والتيارات على ضرورة احترام الآخر وتوقيره، أن نعودهم على الجلوس على مائدة الحوار والنقاش كلما سنحت لهم الفرصة، وأن يفتحوا جسورا للتواصل مع المخالف.. لأن شباب اليوم هم قادة المستقبل، فإذا زرعنا فيهم هذه القيم وعودناهم على البحث عن المشترك مع كافة التيارات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، سنضمن مستقبلًا أقل عنفًا وصدامًا.

وهنا يكمن دور المثقف والمفكر، وسائل الاعلام والمدرسة، فلو قام كل منا بنشر ثقافة المشترك من موقعه، لضمنا مستقبلًا زاهرًا وشبابًا منفتحًا يحترم الإنسان ويورث ثقافة المشترك من جيل إلى جيل.

ونحلم أن نفتح أعيننا يومًا.

فنجد أنفسنا على ضفاف الوادي، نتسابق أنا وصديقتي الملحدة، من منا ستصل لحديقة الياسمين أولًا، وصديقنا المسيحي يعزف لنا أحلى المقاطع بنايه الجميل الذي أهداه له رفيقه البوذي، وحين نصل لحديقة الياسمين يستقبلنا العم أحمد.

فهل سيأتي اليوم الذي تصبح فيه أحلامنا حقيقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- المشترك الانساني..نظرة جديدة للتقارب بين الشعوب، راغب السرجاني
عرض التعليقات
تحميل المزيد