المصالح المشتركة بين تونس وليبيا أعمق من أن تتأثر بانتكاسات دبلوماسية، طبيعة العلاقة المتداخلة بين تونس وليبيا تجعل مصيرهما مرتبط ومشترك

يأتي إعلان وزير الخارجية التونسي الطيب البكوش عن إغلاق القنصلية التونسية في طرابلس إثر اختطاف الدبلوماسيين التونسيين كانتكاسة في مسار العلاقات التونسية الليبية بشكل عام والعلاقات بين الحكومة التونسية الجديدة التي يقودها الحبيب الصيد وحكومة الإنقاذ في طرابلس بشكل خاص بعد أن شهدت تقدما في الفترة الأخيرة سعت إليه تونس في إطار دبلوماسية متوازنة وحياد إيجابي في ليبيا بعد أن اصطفت تونس في عهد حكومة المهدي جمعة إلى جانب حفتر.

تسعى الدبلوماسية التونسية في عهد حكومة الحبيب الصيد إلى التوازن والوقوف على نفس المسافة من الأطراف الليبية المتصارعة، كان هذا واضحا من خلال عدد من التصريحات للمسؤولين التونسيين من بينهم رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي ووزير الخارجية بأن الدبلوماسية التونسية تسعى إلى الحياد الإيجابي وإلى التوازن وعدم الانحياز تجاه الصراع الحاصل حاليا في ليبيا، على عكس ما كانت عليه الحكومة السابقة التي كان يقودها المهدي جمعة والتي طالما اتهمت بأنها منحازة لحفتر في الصراع الداخلي الليبي.

رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي منذ أسابيع قليلة وفي حديثه عن الشأن الليبي قال إن مصلحة تونس تقتضي أن تكون تونس على نفس المسافة من جميع الأطراف وأن تسعى إلى التقارب والتعامل مع طرفي الصراع في ليبيا دون إقصاء، وفي إشارة عملية لهذا الحديث، استقبل رئيس الجمهورية كل من خليفة الغويل رئيس حكومة الإنقاذ والتي مقرها طرابلس والمنبثقة عن المؤتمر الوطني العام واستقبل كذلك عبد الله الثني رئيس الحكومة المؤقتة والتي مقرها البيضاء والمنبثقة عن البرلمان المنعقد في طبرق.

وتمشيا في ذات السياسة استقبل وزير الخارجية التونسي الطيب البكوش وزير خارجية حكومة الإنقاذ والتي مقرها طرابلس وهو ما يعتبر تطورا نوعيا خاصة بعد أن كانت العلاقات جامدة بين تونس وحكومة الإنقاذ في عهد المهدي جمعة. وفي خطابه الأخير في البرلمان قال وزير الخارجية التونسي إن تونس ستكون على نفس المسافة من كل الأطراف الليبية وأنها “لا تتعامل مع قوات فجر ليبيا على أساس أنها الجيش التابع لحكومة طرابلس وأنها لا تدخل في أي تصنيفات كانت” في إشارة إلى أن عددا من وسائل الإعلام التونسية المحسوبة على الدولة التونسية كانت قد وصفت قوات فجر ليبيا بأنها قوات إرهابية الأمر الذي يراه المحلل نصر الدين بن حديد “مما تركه انحياز حكومة المهدي جمعة لحفتر”.

وفي ذات الإطار و”الحياد الإيجابي” استقبلت الخارجية التونسية الفترة الأخيرة “مجلس أعيان ليبيا للمصالحة”، الذي زار تونس آنذاك في إطار حشد الدّعم لمبادرة الحوار الوطني، التي أطلقها مجلس أعيان ليبيا في شهر فبراير الماضي تحت عنوان “التهدئة الشاملة والمستدامة للخروج من الأزمة في ليبيا” وتهدف هذه المبادرة إلى التهدئة ونبذ استخدام العنف، وتدعو إلى المصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام السياسي، وخلق مناخ إيجابي للحوار والتواصل بين مختلف الفرقاء الليبيين في الداخل والخارج.

وكترجمة عملية للحياد والتقارب مع جميع الأطراف تعهدت السلطات التونسية بفتح مجالها الجوي أمام المطارات التي تقع تحت سيطرة حكومة الإنقاذ والتي كانت حكومة المهدي جمعة قد قررت إغلاق الأجواء التونسية أمام هذه المطارات في حين حافظت على فتح الأجواء التونسية أمام مطاري طبرق والأبرق والواقعة تحت سيطرة قوات موالية لحفتر.
ويذكر أن هذه السياسة الجديدة المتبعة لاقت إجماعا وتوافقا داخل تونس، فقد عبر الشيخ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة منذ أيام قليلة في عدد من التصريحات الإعلامية عن ارتياحه للتوجه الجديد للدبلوماسية التونسية في ليبيا.

ولكن هذا التطور الإيجابي اصطدم بحادثة اختطاف الدبلوماسيين التونسيين يوم الجمعة 12 يونيو إثر هجوم قام به مسلحون على القنصلية التونسية واختطفوا العاملين فيها، طالبوا إثرها بإطلاق سراح وليد القليب وهو ليبي محتجز لدى السلطات التونسية دون أن تبين السلطات التونسية سبب اعتقاله.

بعد أسبوع من المفاوضات تم إطلاق سراح الدبلوماسيين التونسيين في المقابل غادر القليب إلى طرابلس.

وزير الخارجية التونسي الطيب البكوش وإثر وصول الدبلوماسيين المخطوفين إلى تونس أعلن أن تونس قررت إغلاق قنصليتها في طرابلس و”إن هذا الإغلاق سيتواصل إلى أن تستقر الأمور” إلا أن الوزير أكد في ذات التصريح أن العلاقات السياسية لن تقطع “سنتعامل مع الليبيين سياسيا فقط من أجل إيجاد حكومة واحدة”.

الباحث والخبير في العلاقات التونسية الليبية بشير الجويني يرى أن العلاقات التونسية الليبية متداخلة جدا وهي أعمق من أن تتاثر بانتكاسة دبلوماسية وأضاف لساسة بوست أن هناك روابط اجتماعية عديدة بين الجنوب التونسي والغرب الليبي، كما أن هناك جالية كبيرة من الليبيين تقيم في تونس تعدادها مئات الآلاف، وأصبحت جزءا من النسيج الاجتماعي التونسي وكذلك الحال بالنسبة للتونسيين العاملين في ليبيا والذين تقدر المصادر أن عددهم في حدود الثمانين ألف تونسي وهم يعملون ومستقرون في ليبيا وهم اليوم محرك من محركات الاقتصاد الليبي، وأضاف الجويني أن طبيعة الجوار والعلاقة المتداخلة بين تونس وليبيا تجعل مصيرهما مرتبط ومشترك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد