عندما نستحضر مصطلحي العلمانية المتطرفة والأصولية المتشددة، يخطر في ذهننا مباشرة التناقض الحاصل بين التصورين والتيارين لمختلف الجوانب الحياتية، فلا نكاد نستحضر موضوعًا إنسانيًا إلا ونجد تناقضًا صارخًا في النظر إليه ومعالجته وتقديم الحلول المناسبة له، هذا الأمر بطبيعة الحال راجع إلى المنطلق والأسس المبني عليها تصور كل طرف على حدة. لكن أن يكون هناك جوانب مشتركة بينهما فهذا هو ما يثير السؤال ويدعو للحيرة والدهشة، فكيف يمكن لطرفين متناقضين إيجاد جوانب مشتركة بينهما؟ في هذا المقال المقتضب سنحاول تبيان بعض هذه الجوانب، ومن أهمها في تصورنا:

– الإقصاء

كلا الطرفين عندما نتفحص وندرس أدبياتهما الفكرية والمرجعية نلامس بوضوح أنهما يحاولان تقديم البديل للواقع المعيش وهذا أمر مطلوب، لكن أن يكون هذا الأمر على حساب إقصاء ونفي الطرف الآخر فهنا الإشكال، فكلا الطرفين فكرهما لا يقبل بالآخر المخالف، وليس لهم استعداد للتعايش مع بعضهما البعض، فأنا أكاد أجزم أن لكل واحد منهما استعدادًا قبليًا للقضاء على الخصم متى أتيحت له الفرصة المناسبة.

وهنا نستحضر نموذجين يقربان لنا الصورة بوضوح، فليس ببعيد عنا ما حدث في مصر من انقلاب عسكري على رئيس منتخب ديمقراطيا، فقد تحالفت القوى السياسية وعلى رأسها العلمانية مع العسكر للإطاحة بالخصم الأيديولوجي. كما نستحضر النموذج الطالباني الوهابي الداعشي أيضا الذي لا يقبل بالمطلق بالرأي الآخر ويعتبر نفسه هو الوحيد الذي على حق وما دونه باطل، قد تختلف طرق الإقصاء والوسائل المستخدمة بين الطرفين ودرجة استخدامها لكن من حيث المبدأ يبقى الإقصاء قائمًا ومحاولة نفي الآخر متجذرة في عمق أفكارهما.

– النظر للدين كحدود فقط

كلا الطرفين في بحثهما عمَّا يميز الدين الإسلامي وتشريعاته وأحكامه، ينظر إليه على أنه حدود فقط وهو تطبيق جنائي لا غير، تشريعاته تدعو للقتل وقطع اليد والرجم… إلخ، نعم كلا الطرفين في الغالب ينظر له بهذه النظرة الجزئية السطحية، ويتجاوزان ما فيه من تشريعات تحث على حفظ الحياة والنفس والمال وتأمين حرية المعتقد… إلخ، فهنا لا يمكننا إنكار الجانب الجزائي في التشريع الإسلامي فهذا أمر حاصل في جميع التشريعات كانت أرضية أو سماوية، لكن هذه الأحكام هي جزء من الكل، يجب أن تخضع للواقع وفقهه وللزمان واجتهاداته، وفي تاريخ الدين الإسلامي ما يبرهن على ذلك.

– البحث عمَّا هو مظلم

الكثير من الإسلاميين المتشددين والعلمانيين المتطرفين عند عودتهم للبحث في الأصول التاريخية للفكر الإسلامي يلجؤون للبحث عن الجوانب السلبية والشاذة فيه، وما حملها للحاضر والاستشهاد بها الغرض من الأمر هو شرعنة تصوراتهم وأفكارهم دون مراعاة الحقبة التاريخية التي برزت فيها تلك الإشكالات، فبعض الجماعات السلفية والجهادية على سبيل المثال هدفها من الأمر تعزيز فكرها المتطرف كما أن بعض التيارات العلمانية هدفها من الأمر إظهار وإبراز الجوانب السوداء في الفكر الإسلامي من أجل تدعيم رأيهم القائم على أن الفكر الإسلامي وتاريخه لا يوجد فيه سوى القبيح والمدمر.

ما تم ذكره سابقا لا يمكن تعميمه على جميع الأطراف؛ فهناك من الإسلاميين ومن العلمانيين من يقبل بالآخر ويحترم المخالف وهم كثر في الوطن العربي وهي تسعى للتعايش مع جميع الأطراف وتقوم بمحاولة نشر فكرها بالكلمة والإقناع، يستخدمون الوسائل السلمية في تدافعهم مع الخصم وخير دليل على الأمر على سبيل المثال لا الحصر النموذج التونسي والتركي بالدرجة الأولى وإلى حد ما المغربي، لكن الخطر يكمن في القوى المتطرفة المتشددة العازمة على نفي الآخر والقضاء عليه، ومتى استمر هذا الفكر وهذا التصور فلن يكون هناك خير على الإطلاق في العالم العربي والإسلامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد