التواصل عملية معقدة جدًّا، تتضمَّن العديد من العوامل التي يجب معرفتها، حتى نتمكَّن من تعديلها متى أردنا، وكَيْ نستطيع استخراج النتائج المرجوَّة، والعناصر اللازمة، التي تتمتَّع بأكبر قدر من التأثير. لاَسِيَّمَا عند بدأ عملية التواصل، المحدَّدة في 55٪ مِن لغة الجسد، و38٪ مِن الأصوات، و7٪ فقط مِن ما يُقال بالكلمات. كما يمكننا أيضًا الإشارة إلى عوامل أخرى مُهِمَّة تُسْهِمُ بطرق حقيقيَّة، في المُضِيِّ قُدُمًا نحو الرَّفع مِن جودة الحوار، بالاعتماد على الدَّافع والسِيَّاق والنِيَّة وروح النيَّة، والفُرصة والوسائل وردود الأفعال الصادرة عن المُحاور.

لذلك لدينا مستويان من التواصل: الواعي واللاواعي. إذ نتلقى بوعي قِسْطًا كبيرًا من المعلومات، لكن هناك جزءًا آخر مُهِمْ نتخيَّله، دون أن نَلمس طبيعة العناصر المتدخِّلة أو المعتمدة في المعرفة والتحليل، وتلك هي المعلومات التي نُدركها بلا وعي. لأن العقل الواعي هو الذي يَقُود أحاديثنا ورؤانا وافترضاتنا وقناعاتنا، كما أنه يزرع بُذُور الإتصال كذلك، فقط لأنه يَفْهَم مِن خلال المنطق، ويدرك بسرعة السَّبب، ويتوقع بسهولة النَّتيجة، ويُركِّب ويستنتج ويستقرئ، ويَقُود عملية التواصل ويُرشدها، ويسهر على توجيهها إلى الاتِّصال اللائق. هو مَن يَقْبَلْ أو يرفض الفكر والفكرة، خصوصًا وأنه يعتبر مركز الانفعالات والعواطف، ومخزن الذاكرة، والحارس الشخصي، والحامي الحقيقي للعقل اللاواعي، مِن الانطباعات المغلوطة، أو الخاطئة أو السيئة.

أمَّا العقل اللاواعي الذي يصطلح عليه كذلك بالعقل الباطن يَصوغ حياتنا، ومشاعرنا ونفسياتنا، تَبَعًا لتلك الرُؤى والافتراضات والاقتراحات والقناعات السابقة. يفهم عن طريق الحدس والبديهة، ويتعلق بالذات أي العالم الداخلي للإنسان. لاَ يفهم المنطق، ولا يُمَيِّز بين الخطأ والصواب، هُوَّ المنفذ الوحيد، الذي يقوم بتحقيق الأهداف التي أقرها العقل الواعي، حتى يَتَسَنَّى له إخضاع العقل اللاواعي وجَرِّهِِ إلى التبعيَّة والطاعة، لأنه يُمَثَّل مركز السُّلوك والطِّباع. يُحدث رُدُود أفعال آنِيَّة، عن إنطباعات واعيَّة، وسلوكيات واقعيَّة وحقيقيَّة، غير ظاهرة للعيان. فكلَّما اكتشفنا عدم التوافق والتناسق والإنسجام بين المعلومات التي نتلقاها بوعي، وجب اللجوء الفوري إلى الإتصال اللاواعي والاعتماد المباشر عليه أكثر من الأول، لأن اللاشعوري يلتقط بيانات أكبر بكثير من الواعي، وأيضًا تحت تصرفه. لهذا نستطيع القول، أنَّ بداخلنا جميع المعلومات اللازمة؛ معظمها خارج الوعي، قادرة على تفسير الرسائل القادمة من الخارج.

للتواصل مع اللا وعي بجدارة واستحقاق، لدينا هُنا وهُناك العديد من التقنيات المستخدمة في علوم البرمجة اللغوية العصبية، يمكن تلخيصها في تقنيات الاتصال مع غير المدرك، كالاسترخاء الشامل السابق للتجربة، وتوصيف وتشخيص ما نريد العمل عليه، فعلى سبيل المثال، جزء منك مسؤول عن السلوك الذي تريده، وعن العمل الذي تطمح القيام به، وعن الجزء الإبداعي المسؤول والممتع والخاص بك. ولهذا فلتشكر بصدق الشخص المسؤول، أو الشخصية المسؤولة عن الأسباب والدوافع والحلول المشتركة، وعن النية المفيدة، في وقتٍ ما بالنسبة لك. واسألهم أسئلة قيمة مباشرة، وشاورهم وحاورهم بلطف، لتعرف ما إذا كانوا على استعداد تام ودائم، للتعاون والدخول في عملية التغيير الحاصلة، أو المتوقع حصولها، مع الإهتمام بالتفاصيل، والتركيز على المواقف، والترسيخ للقيم والمبادئ، بالإخبار عن أي شيء آخر تريد معرفته. مع مُوافقتك الذهنيَّة الفعليَّة وإيَّاهُم، على نَقْلِكَ ونَقْلِهِمْ إلى حيث نريد منك أن تذهب.

يمكننا أن نستنتج من حياتنا الحاليَّة، ونستخرج مِن تجاربنا السابقة، أهمية هذا التواصل، نظرًا لاعتباره أساس الحياة بين الناس، يَشْمَل جميع العوامل التي تسمح بازدهار أو تدهور العلاقات الإجتماعية. لكن من التجارب المعروفة لدينا جميعًا، نَجد تجربة الإتصالات المُسْتَمَدَّة مِن سوء الفهم الدَّائم، والذي عادةً ما نُنْسِبْ إلى مُحاورونا، مسؤولية الفشل الدريع، المصاحب لعمليَّة الإرسال والإستقبال، على حدٍّ سواء، نظرًا للكيفيَّة مِن جهة، وعدم تبليغ الرسالة من جهة أخرى على الوجه الصحيح. المُبيِّن لقيمة المُحتوى، والمحدِّد لمستوى الفهم والإستعاب، وكذلك لدرجة التفاعل المُثمر، مع أركانه ومَحاوِرِهِ وخطوطه العريضة.

البرمجة اللغوية العصبية تخبرنا أن نتيجة اتصالاتنا هي في حد ذاتها مجموع الاستجابة التي نتلقاها منها، ولهذا يجب أن نَتَحَلَّى بالشجاعة الكافية، ونتحمُّل المسؤوليَّة الكاملة عند فشل هذا الإتصال، مع العمل على تعديله، في أقرب وقت ممكن، وجعله أكثر إشعاعًا وفعاليَّة. لكي يكون مفهوما أوَّلًا، وقادرًا على إقناع الآخرين ثانيًّا، وكسب ثقتهم للتكيُّف مع المُحاوِر، وخلق علاقة وِدِّيَّة معه، كأساس قوي تُبْنَى على قواعده المَثِينَة قَنوات عريضة من الحب والتقدير والاحترام والمصداقية، لِتَجَنُّب الإنغلاق وسوء الفهم، ولتجديد الوِد وخلق الوئام، وتعزيز نظرية القُدْوَة الحسنة، من أجل القيام بعمل قيادي داخلي بَين الشخص ونفسه. أو خارجي فردي أو جماعي بَيننا وبين الآخرين.

لقد رأينا باستمرار أنَّنا نتواصل فِعليًّا مع شيء ما، حتى عندما لا نريد التواصل معه، نكون على اتصال قائم بذاته وتواصل مستمر معه. على الرغم من أنَّ المسألة بِرُمَّتِها تبدو وكأنها مسرحية كبيرة من الكلمات، لكنها شيء يؤثر بشكل أساسي على سلوكاتنا اليومية، لاَسِيَّما وأن ما نتواصل به، هو بمثابة بطاقة عمل، وواجهة رسميَّة لنا اتجاه الآخرين.

نظرًا لتواصلنا الدائم وإصرارنا المتواصل، ورغبتنا المُلحَّة في الوصول والحصول على إتصال فعَّال، فسوف نقوم بالبحث والتنقيب عن العناصر التي ستشكل وتنظم لنا نظام الاتصالات. كالمصدر المرسل للرسالة، حتى تصل المتلقي عبر القناة، فتتم عملية إرسال المحتوى، بواسطة الرموز والعلامات، والقواعد المستخدمة، في التبليغ والإعلام، من خلال السيَّاق، أو المَواقف، الذي تظمه التجربة.

تحتوي عملية الاتصال على مكونين أساسيَّيْن، الرقمي كالكلمات، والعبارات، والأرقام، وغيرها من العناصر التي تشكل اللغة الكلامية. وتشمل حوالي سبعة في المائة فقط، مُشَكَّلَة من علامات معترف بها عالميًا، مترابطة ومُنظَّمة، على الرغم من أن العلاقة بين العلامة والكائن المُمثل تعسفي بَحْت، أي أنه لا يوجد أي تشابه، بين الكلمة والعلامة، أو الصورة التي تمثلها هذه الكلمة. وهناك أيضًا الاتصال التحليلي؛ الذي يتكوَّن مِن جميع العناصر غير اللفظية، التي هي جزء من فعل التواصل. والتي بدورها مقسمة إلى قسمين، الأولى متعلقة بالصوت، وتشمل النغمة، والإيقاع، والحجم، والجرس، وما شابههما، إذ يُهَيْمِن هو الآخر على 38٪ من حجم الاتصال. والثانية ترتبط بالتعبير الجسدي، أي المواقف وتعبيرات الوجه، وإيماءات اليدين، والتنفس، ولون البشرة ويعادل 55٪ من مجموع النسبة.

فقط ضمن عملية الاتصال، إذا اعتنينا بعناصر المرسل والمتلقي، يمكننا التمييز بين الاتصال الداخلي الذي يكون فيه المرسل والمستقبل هو الشخص نفسه، أي الذي نؤسسه مع أنفسنا ويشير إلى ما نمثله أو نقوله أو نشعر به داخل أنفسنا. والتواصل الخارجي الذي يكون فيه المرسل والمستقبل أشخاص مختلفين، أي ما نؤسسه مع بَقِيَّة الناس. إذًا عندما نعرف مفاتيحنا الخاصة، نستطيع تصفية المعلومات ومعالجتها، فنحصل على معلومات قيمة حول كيفية وجودنا، وما هو ضروري لحل تعارضاتنا الداخلية. فبمجرد ما نتحدث عن عملية الاتصال، يجب أن نعرف ما يحدث لحظة وصول هذه المعلومات إلى عقولنا؛ لأن البرمجة اللغوية العصبية تتعلق أساسًا بمعرفة برنامج الدماغ، أي البرنامج الذي يقوم المخ مِن خلاله بتصفية المعلومات وتخزينها ومعالجتها، والنظر في تفاصيلها وتقييمها من خلال الحواس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد