أرى أن أسوأ ما فعلته بنا شبكات التواصل “الاجتماعي” هو تحطيمها لذلك الجدار الواقعي الضخم الفاصل بين طبقات المجتمع . في واقعنا، تعيش كل طبقة منعزلة عن الأخرى: شبكات معارفها مختلفة، نشاطاتها مختلفة، مدارسها، أماكن إجازاتها، فصل شبه تام بين العالَمين. ما فعلته شبكات التواصل هو خلق احتكاك شديد ومفاجئ بين كل فئات المجتمع، تساءل الجميع فجأة: من أين أتى هؤلاء؟!

غير أن الصدمة كانت أقوى وأكبر عند الطبقتين الكادحة والمتوسطة الدخل، صار هؤلاء بين عشية وضحاها يصبحون ويمسون على يوميات أشخاص من بني جلدتهم لم يعرفوا عنهم شيئا من قبل، على صور أكواب فاخرة من القهوة الفاخرة بجانب “كرواسونات” إفرنجية فاخرة إلى آخر كل ما هو فاخر وقابل للتصوير . يصبحون ويمسون أيضا على نشاطات الأغنياء -التي كانوا يحسبونها من إنتاج وخيال هوليود لا حقيقة تُعاش- ركوب خيل وسفر حول العالم وتنس وجولف وديزني لاند.

قد تجادلني حول علاقة مواقع التواصل بموجة الإحباط العارمة التي هزّت شباب هاتين الطبقتين، وتُرجع أصلها إلى لحظة ظهور التلفاز، غير أن هناك حاجزا ما كان يمنع تحوّل هذه الأفواج الغفيرة من البشر إلى زومبيات محبطة وكارهة للحياة. هذا الحاجز هو “الغربيّ” أو “السينما”، فحينما تظهر القنوات عالَم الغربيين بكل إغراءاته فإن شباب بلدان العالم الثالث يعوزون ذلك إلى تقدم الغرب المفروغ منه فلا يتعب نفسه في تمني ما لا يُتمنى أو ربما يفعل، غير أنه قد يعود إلى رشده بسرعة عند انسداد أبواب الهجرة في وجهه، أما حين يظهر الإغراء في سينما بلاده فهو يعلم يقينا أنه مجرّد تمثيل وأنه تشويه لواقع الفقراء لا أساس له من الصحة.

غير أنّه الآن رأى بعينه ما كان يحسبه تمثيلا، تعايش معه، تابعه يومًا بيوم وإغراء تلو الإغراء. رأى أفواجا من الأغنياء من بني جلدته يعيشون حياة لا يجرؤ حتى على الحلم بها، ويتلذذون بمشاركته تفاصيلها ورؤية تعابير وجهه الواجمة. إنه الآن مكبّل وعاجز عن الحركة، يعيش واقعهم الجميل -المجَمَّل- ويزداد كرها وابتعادا عن واقعه يوما بعد يوم.

هكذا نسفت مواقع التواصل الاجتماعي حركة طبقات كاملة من الشباب، عيّشتهم الوهم وأدخلت الظلمة والاكتئاب إلى حيواتهم التي هي بحاجة إلى كدّ وعمل وتركيز. طبقات كاملة تحتاج الآن استشارات نفسية ومعالجات طويلة الأمد لرواسب هذا التواصل السلبي إن صحّ تسميته تواصلا، أو تحتاج ربما فقط .. إلى قوة نفس وضغطة زر تغلق بها بوّابة العالم الافتراضي لتتمكن من استقبال الحياة كما هي، وتتعامل مع قوانينها بتواضع وانشراح نفس، لتفتح هي لك سبل النجاح الطويلة والناجعة في آن، عوض التسخّط على الحياة ليل نهار منتظرا أن تبتسم هي لك وتهديك ثمراتها على طبق من ذهب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد