بَين ما نَعيشه اليوم من تيارات تَطبيعية للأفكار المُتطرفة والمورثة من المجتمع الأبوّي دون تَحليل ولا تشريح ولا أن تُطرَّح للجَدل والحوار يَتم أدلجة أهم عُنصر مِعنيّ في البناء الاجتماعي السوري، وهو المرأة.

ولأن الثقافة الاجتماعية تَعتمد على النهج التربوي والنَهج التعليمي لنبدأ من هذا السيناريو ونَتخيل النتائج:

عِندما طُّرح سؤال – هل أنتم مَع تزويج القاصرات – في غُرفة المُدرسات في أحد المدارس السورية حصل جدل حواري بَين صاحبة وجهة النَظر الأولى والتي تَقول:

أرفض تِلك الفكرة بتاتًا، كونها أعتداء واضح على حُرية تِلك الطفلة وانتهاك طفولتها بشكلٍ واضح، فأنا وبكل صراحة لن أزوج ابنتي قبل الثامنة عَشرة.

وبين صاحبة وجهة النظر الثانية التي تَقول:

الفتاة في الخامسة عَشرة والسادسة عَشرة بالغة جسديًا وعقليًا، ولا شيء يمنع من زواجها أو أحد يَحق لَه الرَفض، أمي تَزوجت في السادسة عَشرة على سبيل المثال.

المُشكلة الأولى أنَّنا نُسمي ذاك الحوار الذي انتهك كُل أسس المَنطق أنهُ تبادل وجهات نَظر، وكأن الموضوع يَتحمل على عاتقه أن يكون صحيحًا أو خاطئًا، وفي النهاية لكلٍ مِنهم وجهة نَظره لا أكثر، والجزء الثاني من المشكلة أنهم يعاملون تِلك الطفلة التي يَتدحدثون عنها وكأنها شيء يُباع، يُشترى، يؤدلج، يُبرمج، يَنمسخ مع أفكارهم المَمسوخة من ثقافةٍ مورثة والتقييد في قالب مُحدد.

المُشكلة الثانية الكارثية أنهم في مرتبة مهنية واجتماعية حساسة في المُجتمع – مُدرسات وأمهات – وإن قَيَّمنا المرأة بإنصاف نَعلم أنها البناء الأول للثقافة الاجتماعية السورية، وهذا يَنطلق من كونها النَهج التربوي الأول الذي يَنطلق منه الطفل نحو المُجتمع، وكونها النهج التربوي الثاني في المَدرسة التي يَتخرج منه الطالب نَحو المُجتمع، وهُنا نسأل أنفسنا: ما أثر تِلك الأفكار على الأطفال والطُلاب والثقافة الاجتماعية؟

هذا الحوار لم ينتج إلا من أدلجة المرأة السورية والمجتمع الأبوّي والديني المتطرف لوضعها في قالب محدد نُحِّت من أيديولوجية فكرية لا تُناسب هذا العصر، لا تناسب خط الحداثة والنهضة الفكرية والعلمانية التي تؤمِّن الحرية والاستقلال لكل فرد في المجتمع.

ما هو المجتمع الأبوي؟

هو نظام اجتماعي في العادة يرتكز هلى العادات والتقاليد حيث يشكل الذكور أو الأب أو الأهل سلطة مطلقة أو جزئية على الزوجة والأولاد، وبالأخص الفتيات، ويشكل الأخ كذلك سلطة على أخته أو والدته أحيانًا، وكذلك على صعيد ولي الأمر، حيث يكون هو السلطة.

يشير هذا المصطلح سياسيًا إلى حكومة مشكلة بأكملها من قبل الذكور، كذلك يشير إلى هيمنة الرجال على الأنظمة الثقافية والاجتماعية، كما يمكن أن يشمل كذلك الألقاب الاسمية التي تُحمل عبر تسلسل الذكور.

كيف أُدلجت المرأة منذ الصغر بتِلك الأفكار؟ 

أولًا: النظرة المُسبقة التي يتخذها المجتمع عن المرأة هي أهم أسباب تلك الأدلجة، فأغلبية المجتمع يتعامل معها أنها في نهاية المطاف (عنصر لإكمال مؤسسة الزواج فقط) دون الأخذ بالاعتبار لحياتها العملية والعلمية والمهنية، ودون التركيز على طموحها وغايتها وموهبتها واستقلالها، ومع تلك الصورة النمطية نعلم لما المدرسات التي تحدثنا عنهم في بداية المقال أختلفوا حول العمر الأصَّح للزواج دون أن تذكر أحداهن أحقيّة الفتاة في حياتها العملية وحرية استقلالها، وكأنه شيء ليس في الحسبان، وبالطبع هم ليسوا أكثر من خريجين من مدرسة الأدلجة الاجتماعية لتلك الصورة النمطية التي اكتسبوها من النهج التربوي.

ثانيًا: الصورة النمطية الصادرة من المجتمع بالعموم وطلاب الجامعات بالخصوص على أن أخذ المرأة كرسي دراسي في اختصاص الهندسة الكهربائية أو الميكانيكية أو غيرها من المجالات التي لم نعتد على تواجد المرأة بهم هو تعدي على فرص عمل باقي الشبان كونها سوف تحجز أحد المقاعد الدراسية، ومن ثم تأخذ الشهادة وتتزوج وتستقر في المنزل دون أيّ استفادة من الشهادة، وهذا نتيجة ترسخ الفكرة النمطية الأولى.

ثالثًا: الانتشال الفكري من التاريخ الديني (الإسلامي) الشرقي عن وضع المرأة في المجتمع حينها، حيث لم يكن لها مكانة عملية أو علمية واستقلال اجتماعي يستحق الذكر، وخاصة في عصور سابقة حيث كان تعدد الزواج صيغة حياة نمطية أكثر من كونه مفهوم غير مصاغ في المجتمع، وكان رضوخ وطاعة المرأة المطلقة دلالة رجولة للزوج، وبالمقابل يتم محاولة تطبيق ذلك اليوم بحذافيره من خلال صورة نمطية مُطلقة من بعض شيوخ الدين، وهذا له تأثير كبير في أدلجة المرأة في المجتمع السوري لتنشأ في قالب رسمته العادات القبلية والتاريخ الديني.

رابعًا: الأعلام المحلي والدراما السورية التي تجسد المرأة في ذات القالب مرارًا وتكرارًا مثل المسلسلات الشامية القديمة وعلى رأسهم مسلسل باب الحارة، هذا التأثير الدرامي يجعل الفتاة تَتخلص من مرحلة الشك بحقيقة استقلالها، بل ترى أن الموضوع مباح بشكل كبير، وخاصة أنه يتم عرضه على أنه بطولي، حتى ضرب الرجل لزوجته يتم عرضه على أنه عمل بطولي ومُمثل للرجولة الحق.

وبنفس الوقت يقع جزء من المسؤولية في عملية الأدلجة تلك على المرأة نفسها، وقبل الانتقال إلى ذلك يتوجب إيضاح نقطتين:

لا يتم هنا التقليل من قيمة ربة المنزل أو شيء من هذا القبيل، أو وضع درجات متفاوتة بين المرأة العاملة والمستقرة في منزلها لتأمين حياة جيدة لأطفالها، بل الفكرة هي نقد للاحتكار الذي يحصل بأن كل امرأة لا تصلح، إلا لأن تكون ربة منزل والعمل على ذلك ليكون قالبًا يقيّد حريتها ويؤدلجها لتقتنع بشكل كامل أن لا مكان يصح لها إلا ذاك (المؤسسة الزوجية وتربية الأطفال والاهتمام بالرجل والمنزل) وبديهيًا هنا سوف يتم تقليص طموحها لما ذكر بين قوسين دون الاهتمام بمنحى آخر، وهذا ما أقصد به الاحتكار.

الأم تلعب الدور الأكبر في التنشئة الثقافية للمجتمع، كونها مصدر الأخلاق والثقافة والأفكار الأول للأطفال، وغالبًا ما تكون مرجعيتهم التربوية الأقوى، وهنا يجب أن تكون في مركز علمي وثقافي (مؤمن بالحريات وتيار الحداثة الأصَّح) لتُنتج ثقافة ترتقي بالمجتمع نحو مرحلة أفضل عن طريق أطفالها، وطالما أنها لا تملك ذلك فإننا في دائرة مغلقة من نفس الأفكار مثل الزواج المبكر، عدم التعلم للمرأة، الطاعة المقدسة للمجتمع الأبوي، احتكار الطموح في المؤسسة الزوجية والإنجاب فقط، مثل الحوار الذي جرى بين المدرسات في بداية المقال، فـهم نتاج تِلك الأفكار والنهج التربوي والاجتماعي السائد.

لكن كيف تشترك المرأة بتِلك الأدلجة؟

بعد ضخّ تِلك الأفكار في النهج التربوي التعليمي (كونها آنسة) والنهج التربوي الاجتماعي ( كونها أم) تقوم بتطبيع الصورة النمطية عندما تدعم الزواج التقليديّ في المجتمع وتصف الفتاة الجيدة بالمقولات الشعبية المعروفة (ست بيت محترمة) (صغيرة بتربيها على إيدك) والكثير من المُدرسات اليوم ينظرن للطالبات على أنهن (عرائس) لأحد أقاربهن، وهذه الحوارات تحدث على مسمع الطالبات بكثير من الأحيان، وحينها تصبح كل واحدة منهم تنظر لسقف طموحها أنه في المؤسسة الزوجية، وبمجرد نضجها جسديًا فإنها مؤهلة لتلك المؤسسة بترخيص من المجتمع والثقافة السائدة والدين.

الناحية الآخرة هي معاكسة تمامًا لما ذكر وهن النسويين أنفسهم، بعد تشويه مفهوم النسوية في المجتمع من قبل فئة معينة، وتقسيمه بشكل مزدوج بين أخذ الحقوق وعدم تلبية الفروض، أو بمعنى أدق مساواة الحقوق وتجاهل الفروض، والمفهوم الذيق لمصطلح الحرية، والعمل على تهميش أو تقييم الرجل وحصره أنه داخل دائرة الذكورية، سواء كان ذكوريًّا أو لا، والحساسية المُفرطة من بعض القضايا لمجرد ذكر كلمة رجل بها، أو الدعم المبالغ فيه لبعض القضايا لمجرد ذكر كلمة امرأة بها، والكثير من الازدواجية الواضحة جدًا في التعبير عن النسوية كـمحاولة إصلاح، لكن ما يحدث أنهن يواجهن ردة فعل من الجهتين، وهنا أقصد الرجل نفسه في المجتمع، والمرأة التي ترفض أفكارهن نتيجة التطبيع التربوي والثقافي التي تم عليها، وهنا بدلًا عن الإصلاح يتم زيادة الفجوة أكثر بين تيارين مختلفين بشكل كامل، وميل الأكثرية نحو المجتمع المحافظ الخالي من التيار النسوي المتطرف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد