الأقبح من الخطأ تبريره، وأسوأ الأعذار والمبررات تلك التي تنم عن تبلد الحس كأن يأتي التبرير من فلسفة «كلهم هيك، هي جات عليا أنا».

علمونا في الصغر أن معايير السلوك القويم، تقوم على مبادئ ثابتة، وأن عقلية قبول الرائج والمتداول دون عرضه على تلك المبادئ الراسخة إيذان بهلاك المجتمعات ودليل على انحطاطها، مستشهدين بقول نسبوه إلى الرسول محمد عليه الصلاة والسلام (لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا)، فما بال من علمنا بالأمس يحيد ويتنكر لما علمنا، أنسي أم طال عليه العهد؟

فبعد الذي تداولته منصات التواصل الاجتماعي من صور ومشاهد يندى لها الجبين وما تناقلته المواقع الإخبارية من تعليقات ساخرة بل ومهينة، عن الحالة المزرية التي ترك المسلمون بها أماكنهم المقدسة، التي تحولت إلى ما يشبه المفرغة العمومية، ولا عتب على من تشابهت عليه الحروف بين المقدس والمدنس، والعتب كل العتب على من تشابهت عليه الأماكن واختلطت عليه التصرفات فتصرف في المكان المقدس وجاء بسلوك جعل المقدس مدنسًا، ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد، فما إن انتشرت الصور وعمت الفضيحة حتى خرج علينا فتية آمنوا بربهم وزادوا الطين بلة بفعلهم، فنبشوا مقابر الصور والحوادث، ليخرجوا لنا بصور تدين الغرب والشرق بالجرم المشهود، وتثبت أنهم أيضًا يسيرون على نهج التلطيخ والتوسيخ، وأنهم أيضا قوم إذا دخلوا مدينة أفسدوها وجعلوا أنظف بقعة فيها أقذرها، فإن كانوا كذلك يفعلون، أليس من الأجدر بنا ألا نقتفي أثرهم وأن نخالفهم وألا ندخل جحر الضب الذي يدخلون، فبدل اختيار فضيلة الاعتراف بالخطأ، اختار هؤلاء رذيلة التبرير على منوال «كلهم هيك … هي جات عليا أنا».

ولم تتوقف عقلية التبرير عند هذا الحد من عقد المقارنات والمفاضلة بين الرذائل وحسب، بل إنها أخذت تغرق أكثر في السذاجة، كالذي قال «ترون أن سلة المهملات قد امتلأت إلى آخرها، فلم يجد الحجاج مكانا يرمون فيه مخلفاتهم، زد عليه فالرياح ساهمت في انتشار تلك المخلفات على مساحة أوسع!» ألا يعلم هذا وغيره أن الفرد الذي نشأ منذ نعومة أظفاره على احترام وتقديس القيم الحضارية المستمد أغلبها من رسالة الإسلام يُبقي مخلفاته معه في كيس إلى حين يجد لها مأوى، يبقيها عنده حتى وإن طال به أمد البحث عن سلة قمامة، ذلك لأنه مشبع بقيمة مفادها «النظافة من الإيمان» وهو يعلم بأن تفريطه في النظافة قد ينجر عنه تفريط في جزء من إيمانه، في حين أن الفرد الذي لم يتشبع بهذه القيمة لن يضع مخلفاته في الأماكن المخصصة لها وان كانت في متناول يده، فكفوا عن لوم الرياح وإلصاق التهم بالأشياء، فالأزمة عندنا أزمة قيم وأفكار.

قبل أيام نشر الدكتور فيصل القاسم صورة للحجيج أرفقها بتعليق مقتبس من نص قرآني «تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ» وبغض النظر عن سبب النزول والسياق الأصلي للآية يبقى ظاهر قوله «تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى» مطابقًا لما نشهده من واقع الأمة، والله سبحانه وتعالى أدرى بما تكنه القلوب وتخفيه السرائر.

فليست هذه المرة الأولى التي تنتشر فيها صورة تعري حقيقتنا وتبدي عورتنا الفكرية وتظهر للعالم مدى تخلفنا الحضاري، فالحج أو الركن الخامس وبلغة إحصائية «المؤشر الخامس» لم يعد مجرد عبادة، بل هو كذلك مؤشر إحصائي يمكن من خلاله الحكم على مدى اندماج المسلمين حضاريًا ونضجهم فكريًا، لأن الحج يوفر شروطًا مثالية لنجاح أي بحث علمي يهدف لتشخيص واقع المسلمين واستشراف مستقبلهم، لكن كيف يكون لنا هذا والركن الخامس مرهون بين مطرقة التسييس وسندان التدنيس؟

أي رسالة حضارية بات يقدمها الحج للعالم بعد كل هذا، هل صار من الممكن أن نخبر العالم أن شعيرة الحج تنطوي على دلالات ذات بعد إنساني وحضاري، وأنها جاءت لترسخ في أذهان المسلمين رؤية كونية تمكنهم من فهم العالم والتفاعل معه بإيجابية، كما أنها تلزمهم بمعايير سلوكية تمكنهم من صناعة نهضتهم وإطلاق حضارتهم، هل سيصدقنا العالم إن قلنا له هذا وهو في المقابل يرى منا ويسمع ما يخالفه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد