المجتمعات وحركتها في ظل الأزمات

ربما سيكون فيروس كورونا منعطفًا مهمًا في التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي البشري، فاستجابة الدول لهذا المرض وطريقة تعاطيها معه اختلفت من بلد إلى آخر بعيدًا عن مدى التقدم العلمي، والتقني، والطبي لهذه البلدان، إنما انطلقت سبل التعامل مع هذه الجانحة وفقًا للبعد الأيديولوجي العميق لكل دولة وكيف تنظم خارطة أفكار الطبقة الحاكمة أو المثقفة في المجتمع، وهذا الأمر سيترك أثره الكبير على حالة القوى الدولية ونمطية الحياة بعد أن تنتهي هذه الجائحة فتنهار تحالفات وتبنى أخرى، وستبرز بعض الأفكار التي تمثل إجابات على مجموعة تساؤلات سيطرحها الإنسان على النخبة المثقفة، والتي بدورها إما تستجيب لهذا التغيير ومتطلباته أو تدخل معه في صراع، وخاصة إذا ما مس مصالحها الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية.

وعند الرجوع إلى الإرث الإنساني في نمو المجتمعات سنجد أن أوجست كونت قد حدد ثلاث مراحل متداخلة للمجتمع في بنيته الفكرية ومدى نموها، ونحن نستطيع أن نضيف بعدًا رابعًا لها كما يلي:
1. المرحلة الأسطورية (التفسير الأسطوري، والتفسير والغيبي): تفسير الظواهر من خلال الأساطير وعبادتها، ورأينا مجتمعات تحاول أن تجعل سبب هذه الجائحة غضب الآلهة على البشرية، ولذا توجب على البشر أن يعودوا ليرضوا هذه الآلهة بالقرابين أو الطقوس الدينية التعبدية، وعدم الالتفات إلى معطيات العلم الحديث وتفسيراته وهي ثلاث مستويات:
أ. التقديس لقوى وبعض المخلوقات في الطبيعة: تقديس الإنسان أو الحيوانات أو الاشياء التي تخيف الإنسان أو كانت تمثل له حالة شعورية أو سياسية معينة وتفسيرها تفسيرًا أسطوريًا في التعاطي مع هذه الجانحة، ويتجلى هذا في بعض الأديان (الهندوسية في نطاق محدود) أو لدى بعض الطوائف الإسلامية كالشيعة الاثني عشرية من خلال التشافي بالأئمة أو رجال الدين أو توصياتهم الأسطورية.
ب- ظهور آلهة تتخصص بالأحداث الكونية (تعدد الآلهة): وإن كان كونت قد أراد حقيقة الأمر، وهو التخصص في الآلهة كما حدث في اليونان والآلهة على جبال الأوليمبوس، إنما نحن نراها بمنظار آخر، وهو بزوغ نظرية المؤامرة لدى بعض المجتمعات والتجمعات البشرية، وكل ينسب المرض إلى جهة معينة قامت بتصنيعه لغرض ضرب دولتهم أو مجتمعهم، وبالتالي أضفت صفة الخوف الذي يساوي في بعض حالاته التقديس لهذه القوة المتآمرة، وإن كان هو خوف سلبي (تقديس معكوس) إن صح التعبير.
ج- التوحيد (وجود إله واحد بتحكم بالكون): وهذا تجلى واضحًا لدى المجتمعات المتدينة في الأديان التوحيدية الثلاثة (الإسلام، والمسيحية، واليهودية)؛ فنسبوا الأمر إلى قضاء الله وقدره، وأنه غضب من الله حتى أنه طردهم من بيوته ومنعهم من التعبد فيها وذلك لانتشار الفساد في البر والبحر، وهذه فئة ليست بالقليلة من أتباع هذه الديانات، وهناك فئة معتبرة أيضًا، وخاصة من الشباب المثقف من أتباع هذه الديانات التوحيدية دمج بين النظرة الدينية التوحيدية هذه وبين النظرة العلمية التطورية للفيروس منطلقًا من التكامل الثنائي للإنسان بين الغيب والشهادة، الله والإنسان، الدين والعلم.
2. مرحلة ما وراء الطبيعة: وجود قوة كونية خفية غير معروفة تتحكم بحركة الكون والحياة والوجود، وهؤلاء يمثلهم التيار التطوري، والإلحادي، واللاأدري، والذي يرى أن الطبيعة في توازنها تحتاج إلى عمليات تصفية بين فترة وأخرى، وقد طغى الإنسان في استثماره للموارد الطبيعية، وأدى إلى حالة عدم توازن بين مكونات البيئة الحية وغير الحية، فكانت النتيجة أن تسعى الطبيعة بقوتها إلى حالة التوازن الطبيعية، ولذا فهذا الفيروس هو إحدى أدوات القوى الطبيعية لتحقيق هذه التوازن.
3. مرحلة المعرفة المؤكدة: وهذه تتمثل في منهجية التفكير العلمي والاستدلال العقلي لكل ما يحدث من أحداث في الطبيعة، ومنها فيروس كورونا، وتتمثل بمراحل:
أ. البحث عن السببية: انطلقت المجتمعات التي تمتلك أدوات البحث العلمي، وشاعت لديها ثقافة البحث عن الأسباب والمسببات وشرعت في معالجة الأمر باعتباره حالة طبيعية لفيروس له امتداده الطبيعي، وبالإمكان أن نجد له علاجًا من خلال اتباع الوسائل العلمية الصحيحة، وكذلك في نمطية التفكير العقلاني للوقاية من هذا المرض.
ب. التجريب: هنا تأتي المرحلة الثانية في التعاطي مع هذا المرض، وهو تجريب النتائج البحثية السببية في علاج هذا المرض.
ج. العلاقات: وهي مرحلة تكميلية للمرحلتين السابقتين وذلك من خلال البحث عن علاقات لهذا المرض وعلاجاته المحتملة أو علاجات أخرى ممكن أن تفيد في علاجه من خلال فهم آلية عمله وتشابهه مع أمراض أخرى.

تتم هذه العمليات بمعزل عن التفسير الغيبي للأحداث، وبمنظار أحادي، وتركزت هذه النظرة لدى الصين والعالم الغربي. كما شاعت في العالم الغربي بعض آثار النظرية التطورية، فهبت إيطاليا مثلًا إلى فكرة البقاء للأصلح، ولذا اعتمدت على مفهوم (مناعة القطيع).
٤- مرحلة الغائية والقانون الموحد: وهذه مرحلة توازن بين المراحل السابقة وهي أن هناك قانونًا في الكون، وسننًا يجب اتباعها لمعرفة حقيقة الأحداث وتفسيرها، ثم إيجاد الحلول لها، وهذه الأحداث أو السنن تخضع لنظام واحد، بالرغم من أن آليات اكتشافها تخضع لأدوات مختلفة، وتنتج نظريات مختلفة أيضًا، لكنها توازن بين الحركة الفيزيائية للوجود والحركة الغائية لهذا الوجود فالإنسان ليس آلة في الأرض، إنما له غاية وجود إنساني، منها إعمار الأرض وجعلها أكثر ملائمة للحياة والكشف عن مكنوناتها المادية وسننها الاجتماعية، وتحقيق العيش الرغيد للبشر من خلال نشر منظومة قيم ومعتقدات تؤدي إلى تحقيق هذا الاتجاه، أي أنها توازن بين الإنسان باعتباره جزءًا من المكون المادي، والروح باعتبار وجود الإنسان مرتبطً بغاية أوكلت له من قبل الخالق عز وجل.

كما أن الإنسان في حركته يمر بهذه المراحل ولديه نزعة إلى إحداها في أطوار حياته أو قد يجمع بين كل هذه المراحل فتجده عالمًا تجريبيًا، ولكنه يعبد وثنًا..
الذي أريد أن أصل إليه أن المجتمعات تحكمها هذه المراحل، وتنزع عند الأزمات إلى العقل الجمعي لديها في أية زاوية يضعها، فمجتمع عند الأزمة يبحث عن حل لها ويفككها إلى إشكالاتها، وآخر ينتظر أن تتدخل الآلهة لحل المشكلة دون أي فعل منه، وآخر ينتظر أن تقوم الطبيعة بدورها في حل الأزمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد