بعد أن تاب الله على آدم وغفر له خطيئته، ظل الناس يعبدون الله ويوحدونه زمنًا كما علمهم أبيهم أدم، إلى أن أتى زمن نبي الله نوح عليه السلام، فكان قومه هم أصحاب أول انحراف عقدي على وجه الأرض، وكان السبب في ذلك كما يقول ابن جرير الطبري: (إنه كان قومًا صالحين بين آدم ونوح وهم (وَدًّا، سُوَاعًا، يَغُوثَ، يَعُوقَ، وَنَسْرًا). وكان لهم أتباع يقتدون بهم. فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا للعبادة.

فلما ماتوا وجاء آخرون وسوس لهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يستمطرون فعبدوهم، ولما طالت الأزمان وابليت تلك الصور حولوها لتماثيل مجسدة لتكون أثبت وقالوا إنما نعبدها لتقربنا إلى الله زلفى.

هذه هي آفة العقل البشري منذ بدأ الخليقة كلما طال بالناس الأمد ابتعدوا عن التعاليم الحقة، وأضلهم الشيطان مزينًا لهم طريق الكفر على أنه طريق الإيمان.

هذه الآفة ليست مقتصرة على الدين فحسب، إنما على كل مناحي الحياة، فكم من أتباع عالم من العلماء أو داعية أزلهم الشيطان فانحرفوا عن منهجه وأعماهم التعصب عن ذاك الانحراف، فصنعوا لتلك الأفكار وثنًا، وسلكوا طريق عباد الأوثان وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا.

هذا ما آلت إليه جماعة الإخوان المسلمين عندما طال الأمد على البعض فابتعدوا كثيرًا عن مبادئ حسن البنا التي أسس من أجلها الجماعة، والتي كتبها بمذكراته، وكان أهمها.

– رفض حياة الذل والخنوع التي كان يحياها المسلمين والعرب نتيجة التبعية للمحتل الغربي.

حيث قام الاحتلال على تغريب الأمة وتجريدها من هويتها الإسلامية كما اقتطع البلاد من جسد الخلافة الإسلامية.

– ركائز أسست عليها الجماعة:

1-الدعوة

لذا أسست مدرسة التهذيب وبنيت المساجد التي كانت تعيد الناس لدينهم وتعاليمه، وعمل جاهدًا لإلغاء قانون البغاء وغير ذلك من محاولات إصلاح ما أفسده الاحتلال من قيم.

2- ثورة

– جاءت القضية الفلسطينية لتخرج البنا من دور الإصلاح المجتمعي والدعوة إلى دور الثائر في الإسلام الذي تحمل اسمه الجماعة كما فيه (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

فيه أيضًا (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون).

الجهاد بكل ما يحمل من معاني بداية من الكلمة وصولًا للسلاح الذي يؤمن الطريق لتلك الكلمة لتخرج وترى النور.

فانطلق البنا يقود المظاهرات الشعبية العامة التي خرجت من الأزهر ونادى بالجهاد واعتبر فلسطين هي قضية العالم الإسلامي بأسره، ودعا إلى الثورة والقوة والدم.

 (لاحظوا ترتيب أولويات البنا في المقاومة).

3-الجهاد.

لم يقف دعم البنا على الخطب، بل قام بجمع التبرعات للحركة الجهادية الفلسطينية وابتكر لها طرقًا للتمويل فأصدر طابع بقيمة قرش وقام بتوزيعه على الناس.

آمن البنا بحل استخدام القوة، وبدأ بإرسال شباب الإخوان من مصر إلى فلسطين، وانضم شباب الإخوان للجيوش العربية المقاتلة إلى أن كانت صفقة الأسلحة الفاسدة التي أفقدته الثقة بتلك الأنظمة العربية التابعة للغرب.

لقد ثار البنا على الاعتقاد السائد بين المسلمين في ذاك الوقت أن «الإسلام هو وحي من الله»، وليس أيديولوجيا سياسية، وبالتالي لا يقدم حلًا سياسيًا يدير أمور الحياة.

أراد البنا بتأسيس جماعته أن يخرج الإسلام من إطار الطقوس التي وضعه المحتل فيها، فالإسلام غير محصور بمسائل التقوى الشخصية.

 بل هو أيديولوجية وعبادة، بلد وأمة، دين ودولة، وعمل وإيمان، وسيف وقرآن، بحسب كتابات البنّا، لذلك يجب أن يتجسد الإسلام من خلال العمل الاجتماعي والسياسي معًا.

هذه هي المحاور التي عمل عليها البنا: (دعوة، عمل اجتماعي، عمل سياسي، ثورة، جهاد).

فماذا حل بالجماعة إذًا على يد من تولوا زمامها بالتدريج؟

لم يحدث شيء أكثر من أنهم بالتدريج جعلوا من الجماعة وثنًا كما فعل الأولون مع أصحابهم من صور تذكرهم إلى وثن يعبد.

وإلا فكيف وبعد أكثر من 80 عامًا يأتي من يخبرنا بأن الجماعة دورها دعوي فقط ماحيًا كل ما قام البنا به؟

– كيف يأتي من يخبرنا أن الأجيال التي تربت لنصرة الدين والوطن سنتركهم فريسة لظلمات السجن فهم شهداء متناسيًا أن الحياة في سبيل الله أهم وأصعب من الموت في سبيله؟

– كيف يأتي من يخبرنا بعد كل ما قام به البنا أن الجماعة يجري عليها ما يجري على باقي الشعب وحسبما تحرك الناس يتحركون.

لا يا سيدي ليس هذا ما علمكم إياه حسن البنا، ولا هذا ما قامت جماعتكم من أجله، بل أقامها لتأخذ بيد من ضل عن السبيل، وليس لتمشي كيفما سار من ضل. قامت لتقود لا أن تتبع.

أنا لا اشير بأصبع الاتهام والتخوين لمن يجلسون في مقعد قيادة الجماعة، بل هم تعصبوا لفكرة الجماعة التي هي أكثر من مبادئ الجماعة، تعصبوا للحفاظ على هذا الهيكل العظيم فأعماهم التعصب عن أنهم يفرغون ذاك البناء الشامخ من كل مبادئه وتعاليمة التي بني من أجلها.

حسن البنا حارب لتظل جماعته سدًا في وجه من يريد تغريب المسلم عن دينه وسيفًا في وجه الغرب الذي يريد تفتيت الوطن.

الجماعة كانت وسيلته وليست غايته، ولكن من نراهم الأن فهم يحاربون من أجل بقاء الجماعة كهدف وإن كانت الوسيلة لإبقائها هي التضحية بالوطن.

من يجلسون الآن بكرسي حسن البنا عينوا أنفسهم سدنة لهيكل جماعة الإخوان المسلمين ويقاتلون بضراوة للإبقاء على الهيكل ولو كان خاويًا، فهم جعلوا فكرة البقاء فوق كل شيء ليس طمعًا، بل حبًا، ومن الحب ما قتل.

ما وصل إليه حال الجماعة ليس عيبًا فيها ولا في الصادقين الذين آمنوا بالفكرة، بل هي سنة الله في كونه، فإن حل وقت الانحراف عن العقيدة وجب الاستبدال لكي يظل المعتقد باقيًا.

لكي تعود الجماعة لأهداف البنا لابد من فكر مواكب للحدث، وإعادة إحياء فكر المقاومة أمام الطغاة.

والسؤال الملح لو أن الإمام البنا كان مرشد الجماعة اليوم..

– ترى هل كان موقفه سيوافق نفس موقف قيادات الجماعة اليوم؟

– هل كان سيترك خيرة شباب مصر في المعتقلات؟

– هل كان سيترك الفتايات والنساء لتغتصب داخل سجون الطغاة؟

– ترى هل كان سيضع أهل الثقة ويتجاهل أهل الكفاءة في الأماكن القيادية؟

– ترى هل كان سيتصدر المشهد عقب الثورة، ثم يوقع البلاد في انقلاب، ثم يتركها بين براثن العسكر ليقودها إلى مجهول؟

– ترى هل كان سيرضى بأن تباع أراضي مصر للخليج لمصلحة الكيان الصهيوني؟

– ترى هل كان سيترك الصهاينة ترتع داخل مؤسسات الدولة المصرية وعلى أراضيها؟

إذا كانت الإجابة نعم، فهي جماعة لا تستحق الثقة ولا الاحترام.

وإن كانت الإجابة لا، فهذا يعنى أن على قيادات اليوم مراجعة أنفسهم، وفكرهم، وإستراتيجيتهم إن كان لديهم إستراتيجية من الأساس.

إن مصر تسقط، وشريك أصيل مع العسكر في هذا السقوط الفكر الحالي لقيادات الإخوان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد