تجذبك رواية «صاحبات الآخرين» للكاتب والروائي المصري، شحاتة العريان، منذ اللحظات الأولى لاقتنائها، وإذا كنت ممَن اعتادوا قراءة الإصدارات الروائية والقصصية لـ«ميريت»، لا سيما القديمة منها، ستدرك معنى كلامى، هذه الإصدارات الفاتنة بأغلفتها المميزة الساحرة للفنان أحمد اللباد. «الأغلفة» التي أصابت كثيرين بما يشبه حالة دفء مع مطبوعات هذه الدار الشهيرة التي قدمت للمكتبة العربية أسماءً روائيةً تتصدر الساحة الأدبية المصرية حاليًا.

سريعًا، يختطفُك العالم الروائي في «صاحبات الآخرين»، أنت هنا على موعدٍ مع سحر الأماكن التاريخية القديمة، دفء العلاقات الإنسانية، صداقات الجامعة، شهوة الجنس، حكايات الجيران على أسطح البيوت في الحارات والأذقَة الضيقة.

تنطلق الحبكة الروائية الأساسية لرواية «صاحبات الآخرين» من حادثٍ بسيطٍ، عويس عبد الرسول، مفتش الآثار الإسلامية، الحاصل على الماجستير في «العمارة المملوكية»، ويستعد لدرجة الدكتوراه أيضًا، والذي يُقلقه موت صديقه شهاب عبد المعطي بطريقةٍ مفاجئةٍ وغامضةٍ، ويحاول طوال الرواية تفسيره، ويقارن هذه الوفاة، بأخرى سريعة لصديقهم «جابر» الذي أصيب بسرطان الرئة، وتسبب له هذا الأمر في ترتيب أوراقه قبل الرحيل.

لا يهدأ عويس عبد الرسول؛ فهو شخصيةٌ عنيدةٌ، حتى في حياته العملية، فقد فضح مخالفات «المقاولين» الذين يتولون عمليات الترميم في المزارات السياحية، كشف ذلك لإحدى الصحف، وعلى الرغم من أنه تعرض لملاحقاتٍ قذرةٍ في عمله، فإنه يصر على التمسك بالحق، وهذا يكشف عن سر اهتمامه بالوفاة الغامضة لبطل الرواية شهاب عبد المعطي، صديقه الذي يشترك معه في حب المباني الأثرية القديمة.

ربما تكون هذه البداية سببًا في اعتقادك أنك مُقبلٌ على جوٍ من الإثارة، والمطاردات البوليسية، وعمليات القتل، والألغاز، كما تقرأ في روايات الجريمة، لكن بالعكس تمامًا، فإنَّ قرار مفتش الآثار الإسلامية بالبحث عن أسباب الوفاة الغامضة لصديقه شهاب عبد المعطي، يقوده للتقليب في أوراقه التي يحصل عليها من شقيق «شهاب»، هنا تبدأ سلسلةٌ من الأحداث الهادئة تتكشف أمامك لتقودكَ إلى عالمٍ أكثر دفئًا في هذه الرواية القصيرة، عبر كثيرٍ من الشخصيات التائهة في زحام الحياة.

البطل هنا شهاب عبد المعطي، الشاب القادم للدراسة في جامعة عين شمس، والذي يسكن في غرفةٍ على سطح منزلٍ في «فم الخليج»، يهوى الأدب، وكتابة القصص، حياته البسيطة تقودك لتذكر جو أفلام الثمانينيات؛ مشاغبات الجيران في غرف سطوح البيوت، التلصص على النساء، المطاردات الغرامية لإحدى طالبات الثانوية العامة، وتدخين الشيشة والحشيش، ودخول حمامٍ مشترك مع الجيران، عالم ثري بحكاياته الغريبة عن البشر، وتناقضاتهم، ويومياتهم، والقصص الخيالية عن الجن والعفاريت.

يُقسم الروائي شحاتة العريان روايته إلى فصولٍ قصيرةٍ، بعضها مُعنوَن بالفترات الزمنية لليوم؛ الصباح، الظهيرة، العصر، المغرب، أو فصول السنة: الخريف، الشتاء، الصيف، ثم فصول تحمل أسماء أبطال الرواية، وأخرى عناوين عادية لأشياءٍ يدور حولها الفصل، لنتابع الحكي في هذا العمل الأدبي بطريقة أشبه بـ«تقنية الأصوات».

من خلال هذه الفصول نتعرف إلى أصدقاء شهاب عبد المعطى، وحكاياتهم، علاقاتهم التي تبدأ أحيانًا من ساحة الجامعة، ثم حضور الندوات الأدبية، وأحيانًا تنتهي بالزواج، الناجح أحيانًا، والفاشل في أحيان أخرى، قصص عن الصداقة، الحرية، الأدب، الآراء السياسية المتناقضة، والبحث الدائم عن الحرية.

في هذه الرواية، ستجد حكاياتٍ عن هجرة سكان الريف والصعيد، واستقرارهم في القاهرة، وتكوين عالمهم الخاص المعتمد على جذورهم التي يرفضون الانفصال عنها لدرجة «ترييف المدينة».

لا تقدم لك صفحات هذا العمل الأدبي حكايات تمتد بطول الرواية عن أبطالها، فقط التركيز يكون على شهاب عبد المعطي، الذي اختار حياة «الصعلكة» صيفًا، عاملًا باليومية يتقاضى أربعة جنيهات، تكفيه في ذلك الوقت لتمضية يوم طيب لشخص تنحصر حاجاته في القراءة والتجول في الأحياء القديمة والتدخين، وندوات الأدب والأصدقاء، والبقاء حيًّا لعمل ذلك، بينما يتولى والده الإنفاق عليه وقت الدراسة بالجامعة، هذا وفق اتفاقهما معًا.

أما بقية الشخصيات في الرواية، فتظهر مثل الومضات الخاطفة، حكايات سريعة في فصول الرواية، تكشف عن علاقاتهم واتصالاتهم مع شهاب عبد المعطي، أغلبية الشخصيات لن تراها إلا في فصلٍ واحدٍ قصيرٍ في رواية «صاحبات الآخرين».

يمتد الحكي في الرواية عن شهاب عبد المعطي منذ أن كان طالبًا، ثم تكشف الأوراق عن حياته في ما بعد، زواجه المرتبك والفاشل من «فهيمة»، ندمه على ضياع «نورا» منه، علاقته بإحدى الفتيات «المنغلقة» التي يفشل كغيره في ولوجها، ثم حياته البائسة في ما بعد، فقد أصبح شخصًا تائهًا بدون عمل، ينفق من ميراثه الذي سينتهي يومًا ما.

لا تشعر أن الرواية لها نهاية محددة، ولا نعرف كيف مات شهاب عبد المعطي، لكن لغة الرواية جيدة، مع حوار باللغة العامية أحيانًا، ولكنه كُتب بدقةٍ وصدقٍ، وغلاف الرواية المبهر كعادة دار «ميريت» في أغلفتها.

أبرز ما جذبني في رواية «صاحبات الآخرين» الأجواء التي تشبه إلى حدٍ ما أعمالًا روائيةً وقصصيةً كتبها روائيون مصريون، وهي تلك الأجواء الخاصة بيومات البسطاء التائهين في زحام الحياة، وصدرت هذه الأعمال أيضًا عن دار «ميريت» مثل: «الفاعل» و«لصوص متقاعدون» للكاتب حمدي أبو جليل، و«العباية السودا» و«غرب النيل» للروائي خالد إسماعيل.

وشحاتة العريان، شاعرٌ وروائي، حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 2000م عن روايته «دكة خشبية تسع اثنين بالكاد».

رواية «صاحبات الآخرين» صادرة عن دار ميريت، الطبعة الأولى 2005م، وهي تقع في 144 صفحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد