إننا في معترك الحياة نقابل أشخاصًا كثر، نسمع لهم، ونصغي إليهم، فهم لا يملون من إعطاء النصح والتوجيهات ورسم الطرق لغيرهم، أما الإصغاء فهم في غنىً عنه، والإنسان الواعي هو الذي يفرّق بين النصيحة التي ترفعه إلى القمة وبين تلك التي تهوي به في وادٍ سحيق، فالنصائح غالبًا ما تأتيك متضادة، أحدهم ينصحك بالالتحاق بالدراسات العليا والآخر يحذرك منها أشد الحذر، وهذا يصوّر لك العمل في القطاع الحكومي بالجنة، وذاك يشبّهه بالجحيم، فتزداد بذلك حيرةً إلى حيرتك، ولا تدري إلى أين تسير، ولماذا تسير، وكيف تسير!

Embed from Getty Images

إن الجهل عين الجهل، وهو أن تأخذ نصيحة عن كيفية تربية الأولاد من أب وأم مهملين لأبنائهم، أو نصيحة عن كيفية اختيار الزوج المناسب من طليقين! أو عن كيفية بناء مشروع ناجح من تاجر فاشل!

إن كل نصيحة تأتيك عليك أن تنظر في قائلها، في شخصيته، وحياته، وإلى أي مدى يعقل ما يقول، وإلى حججه وبراهينه فيما ينصح، فإن كان شخصًا ناجحًا واعيًا يعلم ما يقول، يؤيد نصحه بالحجج والبراهين، فحينها تنظر في نفسك، في مؤهلاتك وقدراتك، وإلى أي مدى يمكنك القيام بمحتوى النصيحة، وهل هذا هو الوقت المناسب لها؟ ومن مجموع هذه الأجوبة تقرر إما الأخذ بالنصيحة وإما رميها جانبًا.

خذ مثالًا على ذلك: إذا نصحك أحدهم بالزواج، فهل هو من الذين يرون الزواج مسؤولية وتضحية أم شهوة وتسلية؟

وهل حجته فيما يقول هي أن في الزواج استقرارًا نفسيًا وفكريًا وحياةً هانئةً ومشاعر منضبطةً أم أنه إشباع للرغبات الجنسية وكونه مصباح علاء الدين لتحقيق الأمنيات والسبيل للهروب من المسئوليات؟

ثم بعد ذلك فهل أنت مستعد ومؤهل ماديًا وجسديًا ونفسيًا للزواج؟ وهل هذا وقته المناسب أم الأفضل تأجيله؟

وقس على هذا المثال جميع ما يواجهك في حياتك من نصائح وإرشادات وتوجيهات…

وحذار أن تجد شخصًا فطنًا محبًا لك مداومًا على نصحك، فتصم أذنيك عن كلامه، فتكون من الذين قال فيهم أفلاطون: مَن يأبَى اليوم قبول النَّصيحة التي لا تكلِّف شيئًا، سوف يُضطرُّ في الغدِ إلى شراء الأسَف بأغلى سعر.

والآن أتدري ممن كانت أول نصيحة قالها مخلوق إلى مخلوق آخر؟

إنه سيخطر ببالك جميع المخلوقات من أنبياء وفلاسفة وعلماء وحُكماء، وأناس وملائكة، وذكور وإناث، وربما بحار وأنهار وجبال وهضاب! لكن لن يخطر ببالك بأن الشيطان الرجيم هو كان أول من نصح! حيث نصح آدم عليه السلام بالأكل من الشجرة، فاستمع إلى نصيحته وتفسيرها من سيد قطب: وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، بذلك داعب رغائب «الإنسان» الكامنة.. إنه يحب أن يكون خالدًا لا يموت، ويحب أن يكون له ملك غير محدد بالعمر القصير المحدد. فكان الإغراء بالملك الخالد والعمر الخالد وهما أقوى شهوتين في الإنسان. ولما كان اللعين يعلم أن الله قد نهاهما عن هذه الشجرة؛ وأن هذا النهي له ثقله في نفوسهما وقوته؛ فقد استعان على زعزعته – إلى جانب مداعبة شهواتهما – بتأمينهما من هذه الناحية؛ فحلف لهما بالله إنه لهما ناصح، وفي نصحه صادق: وقاسمهما: إني لكما لمن الناصحين، ونسي آدم وزوجه – تحت تأثير الشهوة الدافعة والقسم المخدر – أنه عدوهما الذي لا يمكن أن يدلهما على خير! وأن الله أمرهما أمرًا عليهما طاعته سواء عرفا علته أم لم يعرفاها! وأنه لا يكون شيء إلا بقدر من الله، فإذا كان لم يقدر لهما الخلود والملك الذي لا يبلى فلن ينالاه! نسيا هذا كله، واندفعا يستجيبان للإغراء!

ختامًا: إن كلام الآخرين يؤثر فينا تأثيرًا بالغًا، شئنا الاعتراف بذلك أم أبينا، وإن لنصائحهم أثر بليغ في نفوسنا وعقولنا، وإن بعض نصائحهم تستقر في عقولنا الباطنة، فلا نرى أنفسنا إلى سرنا إلى تنفيذها وتطبيقها دون وعيٍ منا!

لذلك فلنبتعد مطلقًا عن الذين خبثت قلوبهم وفرغت عقولهم، الذين يريدون من نصحهم أن نهوي في وادٍ سحيق، ولنصم أذاننا عن سماعهم، ولنتقرب من أولئك الذين صفت قلوبهم وامتلأت عقولهم، ولنستجدي منهم النصح والإرشاد، فلربما نصيحة واحدة منهم نفعلها عن وعيٍ أو غير وعي تنهض بنا وترفعنا في الدنيا والآخرة، ولتكن مقولة أبي الأسود الدؤلي ماثلةً أمام أعيننا:

فَما كُلُّ ذي لُبٍّ بِمؤتيكَ نُصحَهُ، وَما كُلُّ مؤتٍ نَصحَهُ بِلبيبِ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!