تحت عنوان «البوصلة التي لا تتحرك» كان عنوان المقال السابق، وذكرت فيه أن ساسة الغرب، وأصحاب المشاريع السياسية على الساحة لا تتحرك بوصلتهم، بل ثابتة نحو هدفها مهما دارت وتغيرت حركتهم في المنطقة، وذكرنا أن هناك مرتكزات أساسية في سياستهم يركزون دوما عليها، ومنها الحفاظ على ربيبتهم إسرائيل. العداء التام لاستقلال العالم العربي. القضاء على التميز والإبداع التقني والفكري. الذاكرة الفولاذية.

والان ماذا ينقص العرب كي تتوحد بوصلتهم  ويثبت اتجاهها؟

الواضح يا سادة أن أمتنا العربية تاهت في رحلة الكشف عن ذاتها، بالرغم من وضوح الهدف وسبيل الخلاص وطرق العلاج، والتي حددتها فطرة بوصلتهم، بالرغم من جهدهم الجهيد للي عنقها وإدارة اتجاهها، رغمًا عنها بما يتماشى مع أهوائهم، لا بما يتطلبه الواجب، وبما يقتضيه الحال.

وقبل الإجابة على هذا السؤال السابق سأورد لكم مثالًا، على ثبات البوصلة ووحدة اتجاهها.

حدث أيام الفتنة الأولى بين المسلمين في بيعة معاوية وعلي رضي الله عنهما أن أرسل هرقل رسالة إلى معاوية يقول فيها «قد وصلنا ما بينكم وما بين علي من خلاف وشقاق، ونعلم جيدًا بأحقيتك للخلافة منه، فلو أردت أرسلت لك جيشًا يؤازرك ويأتي لك برأس علي» فما كان رد معاوية عليه؟

أرسل له قائلًا «أخان تشاجرا، فما بالك تدخل فيما بينهما، وتعلي من نباحك؟ إن لم تُخرِس نباحك أرسلت إليك بجيشٍ أوله عندك وآخره عندي؛ يأتوني برأسك أقدمه لعلي».

انظروا يا سادة إلى ثبات الاتجاه لبوصلة معاوية ـ رضي الله عنه ـ ليقدم لنا نموذجًا واضحًا نحو وحدة  الهدف ومعرفته الجادة  للعدو والصديق.

حتى نتعلم من مواقف العظماء وتتوقف بوصلتنا، لتشير إلى اتجاه هدفها الواضح الصحيح ينبغي على العرب وبالأحرى المسلمين أن يضعوا مرتكزات عدة تبنى عليها سياستهم في التعامل مع قضاياهم المختلفة هذه المرتكزات، مشتملة على:

  • الإيمان بالأحقية

أحقية قائمة على إيمان صادق بمكانتهم بين الأمم، ولم لا؟ وقد قال تعالى «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله…»، ولذلك ورد في الترمذي حديث النبي صلى الله عليه وسلم «إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله».

فغريب أن خالق الكون قد أقر لكم مكانتكم وأحقيتكم بالخيرية، ولكنكم أيها  المسلمون مصرون على الزيغ والبعد عن الحقيقة والأهداف المرسومة لكم من قبل الله تعالى، ولكي ينال المسلمون هذه الأحقية ينبغي عليهم أن يكملوا قوامها وعدتها من الأمر بالمعروف ونشره والنهي عن المنكر وطرده فيما حوته حياتهم من صنوف المعروف وألوان المنكر.

  • التكوين التام للطليعة المغيرة

إن البنية الأساسية لأية أمة قائمة على أفرادها النجباء «الطليعة» الذين يحملون هم أمتهم، ويعيشونه ليل نهار، ولنا أمثلة واضحة في ذلك، فبناء ألمانيا لنفسها من جديد بعد الحرب العالمية الثانية على يد النساء النجيبات «الطليعة» اللاتي صنعن طفرة في التفكير والإيمان بأحقية ألمانيا في البناء قبل أحقية مواطنيها، فلا تتعجب إذن لو رأيت في ألمانيا نصب تذكاري يرمز إلى شخصية أُطلق عليها اسم «امرأة الأنقاض». مشيرًا إلى «لويزا شرودر» السياسية في الحزب الاشتراكي التي نادت بالبناء والتعمير والنهوض بالبلاد والتخلص من هذا الوضع المزري، لويزا هى إحدى الناجيات من حوادث الاغتصاب التي كانت تمارس تجاه الألمانيات من قبل قوات الاحتلال. ويقال إن أعدادًا كبيرة من هؤلاء النساء تبعنها في حركتها هذه وقد أقدمن بعد انتهاء الحرب بكل حماس على إزالة الأنقاض في المدن المدمرة.

من هنا  يجب على العرب أن يهتموا بالتكوين التام للنجباء حتى يخرج من بينها من يزيل الأنقاض التي غطت الأمة بكاملها.

  • التكامل القائم على الشمولية والشفافية

إن الناظر لإمكانات العرب وقدرتهم يرى أنهم يملكون كمًا هائلًا من مقومات النهوض من حيث الخبرات والمال والأرض إذن فماذا ينقصهم للنهوض مرة أخرى حتى تثبت بوصلتهم؟

إن ما ينقص العرب هو التكامل فيما بينهم تكاملًا مبنيًا على شفافية تامة ومكاشفة حقيقية، سواء بين العرب أنفسهم أو مكاشفة مع الغرب ذاته بأننا ما كنا يومًا تبعًا لأحد، وأن مكانتنا محفوظة، وهذا ليس كبرًا، ولا نرجسية كاذبة خاطئة، ولكن عملًا ونفعًا واجتهادًا، وألا يقبلوا على أنفسهم تبعية لأحد.

 الغريب يا سادة أن حال العرب في التعامل مع قضاياهم الداخلية مخز للغاية؛ فأصبح العدو الغربي صديق حليفًا وأصبح أخو العقيدة واللغة والجوار أجنبيًا غريبًا. وأمسى الشرفاء والمصلحون رجسًا من عمل الشيطان ينبغي قتاله وإبعاده، ليس لغاية إلا إرضاء للهوى ومتابعة لبوصلة الغرب.

فهل يفيق العرب والمسلمون وتتوقف بوصلتهم عن ملاحقة اتجاه الغرب؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد