لا أدري ماذا حل بالناس كي تُنزع الرحمة من قلوبهم وعقولهم، وأصبح كل منهم لا يفكر إلا في نفسه فقط، ولا يشعر بما يحل بالآخرين في الجوار، لا يضع الرحمة بالناس كطرف في معادلاته، أو حتى ما يؤثر في قراراته ولو بنسبة ضئيلة. فلا يتأثر حينما يرى سائلًا معاقًا بدنيًّا لا يقدر على الكسب في ظل الغلاء الفظ، أو سائلًا عجوزًا معافى أو مبتور القدم لا يسأل الناس، ويكتفي فقط بترتيل القرآن المجود بنغمة عذبة في نفق مشاة أسفل كوبري ما أو مسار قطار. وذاك رب أسرة يخرج كل يوم على باب الله لا يعلم بكم سيُرزق، ولكنه يتوسل إلى الله ألا يكون حظه اليوم شبيه بالأمس يضيق بذات اليد، لا لنفسه وإنما لولديه الذين لم ينالا ما يشبعهما من العشاء بالأمس، بعدما أطالا في الانتظار لوالدهما حين يعود من فرشته، لعله يحمل المزيد من الطعام. يذهب الرجل ليفترش فرشته المعتادة ويبدأ في استجداء المارة لعل أحد ما يمر عليه، يتفقد ذاك وتعاين تلك بدون أن يشتريا أيًّا من البضاعة المطروحة حتى يقترب الليل، ويبدأ اليأس في أن يجد مساره إلى وجدان ذلك البائع الفقير، فيضع يده داخل جيبه فيجد ما حصل عليه أقل أو مثيل بما حصل عليه ليلة الأمس، فيعتزم المداومة حتى العشاء، ولكن حين يخيم الليل فينال منه اليأس فيبدأ في جمع ما تبقى من بضاعته ويعود من حيث أتى، يتملكه خليط من خيبة الأمل والرجا معًا، وحينما يصل إلى باب بيته ويطرق الباب تتعالى أصوات طفليه بهتافات «بابا جه» يبتسم لهما كالمعتاد، ويقبلهما حتى تظهر زوجته من آخر الممر لتنظر إليه فتفهم أن الابتسامة المرسومة على محياه تحمل خلفها غصة وألم وخيبة أمل كبيرة، فتبتسم هي الأخرى لتخفي خيبة أملها في عشم وأحلام متجددة يوميًّا بأنه لعل فرج الله سيأتيهم في هذا اليوم برزق أوسع من ضيق ذات اليد، بدلًا من أن تلملم ما يمكن أن يستخدم في عمل أي نوع من الأكل حتى لا يبيت الأولاد في جوع. ومن ثم تحاول هي وزوجها أن يأكلا ما تبقى من الأولاد، والذي قد لا يتجاوز في المعتاد نصف رغيف ناشف لكل منهما. ولكنها لا تلبث أن تطبطب على كتف زوجها فيفهم ما حل بها، ويخفي كل منهما دموعه المتجمدة خلف ابتسامة مرسومة بعنف على وجهيهما بالكامل، كما لو كانا في أكثر الأيام سعادة على الإطلاق، ومن ثم يلتفت كل منهما عن الآخر حتى يستطيعا الصمود ويتفادا الانهيار أمام ولديهما!

الحياة بين الناس في المجتمع أصبحت ترتكز بشكل كبير على الفردية، فلا يعبأ الأفراد إلا بالمصالح والمنفعة الشخصية. وهو ما يمثل تضادًا قويًّا مع مبدأ التراحم وشيوع الرحمة بين الناس وبعضها. وحينما كنت طرفًا في نقاشات سابقة حول ظواهر اجتماعية بدا لي مبحث فائق الأهمية، وهو الشكل أو السمة المجتمعية التي ينبغي أن تتوفر في مجتمعنا. أنا أؤمن بشكل قوي أن الحياة الاجتماعية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت المثلى، وينبغي المضي قُدما في العودة إلى اجتماعيات تلك الحقبة الزمنية. ربما يختلف الكثير من الناس في هذه النقطة فيرون أن ما كان يحدث في الماضي لم يعد ملائمًا للحاضر، وأن الزمان تبدل، فالتكنولوجيا اقتحمت عالمنا بقوة وأضحت تؤثر في حياتنا الاجتماعية من خلال التواصل السريع عن طريق وسائل الاتصالات، أو عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت. ولو أنه قد يبدو رأيهم منطقيًّا بشكل ما، لكن ثمة نقاط مهمة لو أُخذت بعين الاعتبار لتبدلت الكفة، فالإنسان بمكونه المادي والمعنوي لم يتغير منذ بداية الخليقة، اللهم إلا بعض التغيرات الطفيفة التي لا تؤثر فينا. ولذا فإنه من البديهي أن سبل التفاعل بين البشر قابلة للتصدير من زمن لآخر؛ لأن الإنسان بذاته لا يتغير، وما يتطور هو الوسائل أو أدوات.

الحياة الاجتماعية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بُنيت بشكل كبير على شيوع التراحم بين الناس، والتعاطف، والتناغم، والمشاركة بين الأفراد وبعضها، والأمثلة على ذلك لا حصر لها؛ فالنبي الكريم عمل على المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كثاني اهتماماته المباشرة بعد إنشاء أول مسجد في المدينة، فقد تأخّى كل فرد من المهاجرين مع فرد من الأنصار وقد كان من الممكن أن يستجمع من الأنصار الأموال المتبرع بها، ويقسمها بالتساوي أو بأي وسيلة ممكنة على المهاجرين؛ كي يبدؤوا في بناء حياتهم الجديدة التي غالبًا ما كانت تقوم على التجارة، وما روي بعد ذلك عن العطاء بين الفريقين عظيم. حاول أن تتخيل أنك رجل أنصاري وأتى عليك أناس من خارج البلاد مهاجرين أي لن يرحلوا في الأمد القريب تاركين وراءهم كل ما أوتوا في الحياة من متاع ومال، ولا يمتلكون أيًّا من مقاومات العيش ورغم ذلك غدا بعقلية «سعد بن ربيع من الأنصار» أن يعرض على «عبد الرحمن بن عوف من المهاجرين» إحدى زوجتيه يطلقها ويمنحها إياه إلا أن عبد الرحمن بن عوف امتنع، وبعيدًا عن كون المرأة لا تُورث ولا تمنح ونحن لا نتناول عقلية سعد بن ربيع في هذا الموقف، لكن ينبغي علينا أن نفهم ماهية الروح المشاعة بين البشر آنذاك.

وربما لن نحتاج إلا القليل من الفيض الزخم من أحاديث الرسول الكريم التي تعظم وتنادي بشيوع التراحم والتآخي بين الناس ففي سنن أبي داود والترمذي قال صلى الله عليه وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ». وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى» متفق عليه. وقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ رضي الله عنه: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ»، فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ. فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ». قَالَ: فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي، فَقَالَ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ». فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ أَبَدًا. رواه مسلم. وفي صحيح مسلم، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَدِمَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمْ الرَّحْمَةَ»؟! بينما روي في الأدبِ المفرد للإمام البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ ومعه صبيٌّ، فجعل يضمه إليه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أترحمه»؟ قال: نعم. قال: «فالله أرحم بك منك به، وهو أرحم الراحمين». وأخيرًا وليس آخرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ الرِّفْقَ» رواه أحمد.

بإطلاق نظرة شاملة على المجتمع ككل بعيدًا عن دراسة السلوكيات الفردية بمفردها لتجد أن التراحم من شأنه أن يقوي النسيج المجتمعي، ويشيع السكينة والدفء بين الناس وبعضها؛ لأن التراحم يساهم في الحد من الهلع الذي قد يصيب الفرد من الخوف على الرزق أو الأنصبة الموزعة في أي من نواحي الحياة. لا يمكنني صراحة الحكم بالفشل على المجتمع ذات الطابع الفردي؛ لأن الحكم على مجتمع أو سلوك مجتمعي يحتاج معادلات فائقة التعقيد ومتغيرات parameters لا يمكنني إحصاءها حاليًا، ولكن يمكننا الجزم بأنه سيفتقد للتراحم بشكل أساسي، وهي تلك التي تسهم في شيوع الألفة والمودة، وتعلي من قدر وقيمة الفرد نفسه.

في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كان المسلمون يخرجون للغزوات في مناخ صحراوي، والذي يتسم بالحر الشديد والشمس الحارقة بالنهار والبرد القارص ليلًا، يخرجون محملين بالسيوف والدروع والملابس الثقيلة في سفر يمتد لأسابيع. لا أعتقد أن الفرد منا في هذا الزمن بمقدوره الخروج على دابة محمل بمثل هذه العدد والملابس في مثل ذلك المناخ ولو لساعة واحدة. ولكن الحالة العامة في رأيي هي ما ساهمت في قلوب المسلمين الأوائل بالمثابرة وكسب الثواب الأعظم رفقة النبي الكريم، فهم في حالة واحدة من الإيمان وعلى هدف واحد ويعيشون حالة واحدة من التناغم. ولا أعتقد أننا حتى لو انتخبنا منا مجموعة من الشباب الذي يرتاد النوادي الصحية، وقاعات الألعاب الرياضية GYM سيكون بمقدورهم استكمال نصف يوم فقط من عناء الغزوات، وبدون حرب.

على نطاق آخر، مبدأ الـ«يالا نفسي» يتسبب في شيوع الكراهية بين الناس وبعضها؛ إذ إنه من الوارد بشكل كبير في الاحتكاك بين البشر أن تتعارض المنافع والمصالح فيما بينهم، فيشيع الهلع والنزاع، وتقل المودة والتعاطف، وتنخفض الإنتاجية على المدى الطويل. مثل هذا المبادئ تتسبب في إحباط أي محاولة لإحداث تنمية شاملة أو نهضة في المجتمع، كون مثل هذه الأهداف تتطلب أكبر قدر من المشاركة والسعي من كافة أفراد المجتمع، وهو ما لن يتحقق في حالة انعدام الثقة بين الناس وبعضها. أرجو من كل من يقرأ هذا المقال أن يبدأ من الغد تغيير نظرته لغيره في الشارع، حاول أن تضع نفسك في موضعه، وتستشعر ما يمر به في ضوء خبراتك أو تجاربك، يا حبذا لو قدمت المساعدة لوجه الله، ولكن الإحساس فقط قد يكفي كخطوة أولى!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد