بقدر ما تدخل نفسك في علاقات (وسائل تواصل، قنوات، أخبار، معارف…) بقدر ما تستنزف جهدك و عمرك، فاقتصد في ذلك جيدا.

إن من أعظم ما يقعد الإنسان عن السعي وإنجاز أهدافه، هو أن يفتح على نفسه أبوابًا تستنزف وقته وجهده وتفكيره وصحته ومنها:

-كماليات في البيت تجعله يستدين ويعيش باقي عمره ليسدد.

-صداقات وعلاقات كثيرة ومكالمات وزيارات.

-قنوات وأخبار وأحداث لا تخصه يعيش معها وتشغله.

-دخول في جدال ومناقشات ثمرتها نادرة وتصيبه بالضغط وسواد في القلب وحقد.

-مقارنات لحاله بحال غيره في الأكل واللبس والسكن تفتح عليه أبواب الحسد والبغض.

-الاهتمام بتحسين صورته في أعين الناس فيتكلف ويتجمل ويدرس لهم ألف حساب ويسأل هل أعجبهتم؟

باب واحد من هذه الأمور كفيل باستنزاف عمرك فكيف بمن فتحها جميعا؟ أيمكن أن يجد عقلا وقلبا ووقتا أو جسدا يسعى به في طريق ما يريد من أهداف؟

بل يعيش بقية عمره يسدد تلك الفواتير التي أدخل نفسه فيها طوعا ويبقى مشتتا حائرا وهو من ظلم نفسه، هو الظالم والمظلوم.

-اجمع همك وعزمك وقوتك وادخرها في طريق هدفك ولا يفوتك هذا القانون (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى) قلل دائرة اهتماماتك وعلاقاتك ووسائل التواصل وبسط حياتك، وأغلق كل باب يحرق جهدك ووقتك وأعصابك وأموالك وفكرك، وقبل أن تفكر في الخطط والبرامج والوسائل: اكسح تلك العقبات واقطع تلك الشواغل لتكون سالما صافيا.

كل ما سبق يمكن أن يندرج ضمن الغرائز البشرية وإني لا أعلم ابتلاء أشد على الإنسان في هذه الدنيا من أن تكون قدرته على التمني تفوق قدرته على تحقيق الأمنيات، يرسم الرسامون لوحاتهم الخلابة، ويلحن الملحنون ألحانهم البديعة، ويكتب الأدباء قصصهم الأسطورية وكل ذلك من زاد الأمنيات أكثر مما هو من زاد الواقع، كله رغبة في تخطي الواقع وتجاوزه والتعالي عليه،

هذا الخيال المشتعل في الإنسان يذكره وهو يحلق فوق إمكانيات الواقع الهش أنه مخلوق لمكان آخر أكثر اتساقا مع طبيعته الموغلة في الحلم والغارقة في التمني، ولو قارن الإنسان نفسه بالحيوان لوجده عاجزا عن الحلم وعن تخطي آفاقه الأرضية، لأنه مخلوق لهذه الدنيا راض عن إمكاناتها المتاحة ولا يتطرق إلى تفكيره تجاوزها!

-السوشيال ميديا:

الكثير من البدائل والمعروض أمامنا تسبب لنا ضغوطا وإجهادا واستنزافا لا يحتمل، على عكس ما يظن أغلب الناس، فإنه عندما تتوفر الكثير من البدائل تقل جاذبيتها، وعندنا تظل باحثا عن المزيد لن تشبع، وستعجز عن الاطمئنان لاختيارك وتقل سعادتك وسينسحب الرضا من حياتك باكيا!

أكان هذا الاختيار بين 15 شكلا من الملابس، أو 20 أكلة جديدة لم تجربها بعد، أو أنواع مختلفة من الهواتف أو الأحذية أو أدوات المطبخ والكريمات أو برامج ومنصات التثقيف على النت.

يقول باري شوارتز في كتابه «تناقض الاختيار» أن آثار نمو الاختيارات أمامنا هي:

1- كل قرار يتطلب المزيد من الجهد.

2- مع كثرة البدائل يحتمل كثرة وقوع الخطأ.

3- التبعات النفسية لهذه الأخطاء أكبر.

الذي سيصيبك بعد الإجهاد المستنزف في الاختيار بين عشرات البدائل أو المئات هو الندم وإعادة التفكير في الفرصة الضائعة والقرارات التي لم تتخذ، والخطأ الذي كان يمكن تجنبه، والضرر الذي كان يسهل تجاوزه، ولعل ذاك الذي تركته كان أفضل/ أرخص/ أحسن/ أمتن/ أجمل/ أليق… إلخ.

انسحاب الرضا من حياتك معناه أنك واقعة تحت ضغط وقلق وألم نفسي مستمر لا يرتفع؛ فلن تصفو نفسك ولن ترتاح روحك ولن يطمئن قلبك، بل ستظل تركض ركض الوحوش طوال الحياة وما أنت بمستريح أبدا.

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:

(وإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلتُ؛ لكان كذا وكذا، ولكن قُل: قدَّرَ الله، وما شاء فعل؛ فإنَّ لو تفتحُ عمل الشيطان).

تقول بعض البحوث أننا نشعر بسعادة أكبر عندما نعرف أن قراراتنا لا رجوع فيها؛ وذلك لأننا عندما نعرف أن قراراتنا لا يمكن تغييرها نمنحها كل قوتنا النفسية ونقلبها في عقولنا مستخرجين جوانب الخير والنفع.

المقارنات تدمر روحك وتقتل نفسك:

لا تقارن نفسك بغيرك في العقل أو الجمال أو الثراء والسعة أو الثقافة أو غير ذلك، لماذا لست كهذا أو هذه أو تلك، ليتني كنت كذا أو فعلت كذا؛ هذا مدخل من مداخل الشيطان يجرك لعدم الرضا وازدراء نعمة الله عليك، ولذلك علينا بالنظر لمن دوننا قليلا فسترى ساعتها أن لديك الكثير مما يوجب الامتنان والشكر.

الفيس ومواقع التواصل عموما للأسف توفر مادة المقارنات وتعرض لك آلاف الأشكال والألوان والصفات في اليوم الواحد؛ فإن لم تحافظ على قلبك فلن تجده حاضرا في صلاة أو قراءة أو غيرها.

ولا تفتح على نفسك أبوابا تُحوِجُك أو تُذلُّك أو تجعل لهم مِنّةً عليك أو تفضُّلا، فالحاجةُ أُمُّ التنازلِ والمهانةِ وكسرةِ النفس والتصنُعِ والتكلُّف، والتجمُّل والكذب والمُداهنة والنفاق… إلخ

واعلم أن الغنى =غنى النفس، والنفسُ اذا اعتاد السؤال والحاجة فلن تشبع، ومن يهُن يسهل الهوانُ عليه.

وأخيرا: من بات آمنًا في سِربِه، مُعافى في جسده، عنده قوتُ يومِه، فأيُّ شيء ينقصُه، وأي شيء يتحسرُ على فواتِه؟! فاللهم ربنا أغننا بفضلك عمّن سواك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد