دائمًا ما يشير خبراء الاقتصاد بأن في حالة عدم الاستقرار السياسي تُعد المتغيرات الاقتصادية متحكمًا رئيسًا في رسم مستقبل الدولة، وذلك لاعتبار أن التقلبات السياسية والاضطرابات الأمنية التي ترتبط بها تؤثر بشكل مباشر على تواجد الاستثمارات الأجنبية فيها، لذلك وكما هو مشهود منذ عامين سعت الدولة والحكومة في مصر إلى إحلال الاستقرار السياسي الذي كان من خلال تحجيم المعارضة واتباع سياسة التوجه الواحد لضمان الولاء للسلطة، كما سعت إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي للنهوض بالدولة عن طريق الإصلاح، وهو الذي تمثل في إنجازعدة مشروعات محلية، حتى الآن، بالإضافة إلى الاعتماد وبشكل أكبر على جذب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية.

كل تلك الخطوات تُعد من البديهيات وفقًا لنظرية خبراء الاقتصاد تلك، كما يُعد من البديهي أيضًا أن تؤتي تلك الاصلاحات الاقتصادية بوجه عام والاستثمارات الأجنبية بوجه خاص ثمارها تدريجيًا بعد عدة سنوات ليُحقق من خلالها الجيل القادم الاستفادة القصوى، ولكن وبالنظر إلى أوضاع المجتمع وما تؤول إليه، فإن هناك العديد من الإشكاليات التي تتصدى لرؤية ذلك يتحقق على أرض الواقع، أبرزها أن الثمار المنشودة لهذه الاستثمارات تحتاج إلى أضعاف تلك السنوات، حتى يصل، ولو فُتاتها إلى المواطن المستحق، ويستشعر بأثرها على محيطه، وذلك بسبب البيئة البيروقراطية التي تسيطر على مقاليد تنفيذ سياسات الاصلاح في مصر وتعرقلها، لذلك لا تكمن إشكالية النهوض بالدولة على الاستقرار السياسي فقط وخاصة مع بقاء المجتمع في حالة من الافتقار  للأمن والأمان أو على الاصلاح الاقتصادي فقط، بالرغم مما يقدمه من دعم واستقلالية للقرار السياسي، وإرساء موقف مصر على الساحة الدولية، حيث إن الآلية التي من شأنها أن تضمن وصول نتائج تلك الإصلاحات كافة إلى مستحقيها من المجتمع وانعكاس التبعات الإيجابية لذلك القرار السياسي عليه فعليًا تندرج تحت محور الاصلاحات الاجتماعية والإدارية، والتي لم تخط الحكومة بها حرفًا واضحًا حتى اليوم.

بالإضافة إلى الإشكالية الأخرى المتمثلة في الوضع المرتقب لأجيال المستقبل، والتي تُعد الهدف المنشود للاستفادة من تلك المشروعات، بحيث لا يشير وضعهم الحالي إلى إمكانية الجزم بأهليتهم لتولي زمام المسؤولية فيما بعد أو استكمال تلك الاصلاحات والارتقاء بالدولة، فذلك الجيل هو نفسه الذي ينشأ اليوم بين جنبات الفساد المالي والإداري الذي يهدد منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية لأية دولة، وينمو على الإهمال الصحي والأمراض التي تتفشى في المجتمع وتحصد المزيد يوميًا كنتاج طبيعي للفساد وانعدام الضمير، كما يترعرع في أحضان منظومة تعليمية أثبتت فشلها لسنوات طوال في إخراج جيل مثقف وواعي إلا ما ندر من الأقلية، أما الغالبية العظمى فيطبق عليها الجهل الفكري والتخلف الحضاري، بالإضافة إلى التسرب التعليمي للملايين من غير القادرين بما يقضي على أي أمل لهم في فرص عمل وحياة أفضل في المستقبل.

هذا إلى جانب ما يكتسبه المجتمع باستمرار من صفات أصبحت هي السائدة في بيئة كل فرد ومحيطه من تعسف اجتماعي وعشوائية وفقر أخلاقي، بالإضافة إلى ضياع الحقوق وغياب ثقافة القانون في سلوك الأفراد والاختلال الدائم في معدلات الدخل والانفاق للمواطن وتعذر موازنتها في ظل الرفع التدريجي للدعم وثبات الدخل؛ بما يدفع الكثيرين إلى السعي خلف الأموال مشبوهة المصدر، ولا مانع إن صحُب ذلك بعض الجرائم في سبيل الحصول عليها، فكيف يمكن إقناع من يقف عاجزًا عن تلبية احتياجاته الأساسية من مأكل ومأوى وحياة إنسانية في أدنى مستوياتها أن يتمسك بالقيم والأخلاقيات المثلى، وهو الذي يتحمل تبعات الأزمات الاقتصادية للبلاد فقط، دون الشعور بانفراجاتها التي تعود على فئات غيره من أصحاب المصلحة والصلاحية، فأي جيل يُرتقب خروجه بعد ذلك من أوضاع وظروف كتلك ليحمل شعلة النهضة التي لم يهيء لحملها ويمضي بالاقتصاد قُدمًا؟!

فمن يتتبع تاريخ وسنوات التنمية والنهضة الاقتصادية للعديد من الدول العظمى على سبيل الاقتداء؛ سيجد أن السمة المشتركة بين ما انتهجته تلك الدول كافة هو الإصلاح الشامل الذي يمتد ليطال جميع قطاعات الدولة وفقًا لرؤية محددة وواضحة الأهداف، وهو على العكس تمامًا مما حدث ويحدث في مصر، حيث تُوجه الدولة جُل جهودها إلى التنمية الاقتصادية التي ومهما عظمت ستقف أمامها العوائق الاجتماعية اليوم أو فيما بعد حائلًا عن تحقيق الفائدة العظمى المرجوة من تلك التنمية والإصلاحات، حيث لا يمكن لدولة أن تبني اقتصادًا قويًا، دون أن تسعى وبالتزامن مع ذلك إلى بناء شعب ومجتمع أقوى يتماشى مع تلك التطورات وتؤهله العقلية الواعية للتعامل معها، بل الارتقاء بها.

أما بغير ذلك سبيلًا، فلا مهرب من أن يكون المواطن نفسه هو أول أسباب انهيار الاقتصاد الذي لم يؤسس منذ البداية على دعائم قوية تعزز منه وبُني بشكل منفصل عن المجتمع، وذلك على افتراض أنه يمكن النجاح في النهوض باقتصاد على أنقاض مجتمع من الأميين والمعدمين، دون الالتفات لأوضاعهم وهو الأمر المستحيل فما سينجزه الإصلاح الاقتصادي سيطيح به التراجع الاجتماعي باستمرار،  فعلى سبيل المثال في حال التوسع في إنشاء المستشفيات والمدارس لاستيعاب أعداد المرضى والطلبة المتزايدة، دون العمل على تطوير، بل تغيير الأساليب المتبعة لإدارة تلك المنظومات والقضاء على الفساد الإداري والبيروقراطية المتعمقة بها، ستتحول تلك المستشفيات بعد فترة وجيزة إلى مكان لمعاناة المرضى لا لشفائهم كما هو الحال مع المستشفيات الأخرى، وستصبح المدارس مجرد جدران يخرج منها الطلبة كما دخلوا دون أي تطور عقلي، وذلك في حال دخلوها من الأساس، ولم يهجروها اعتمادًا على الدروس والمدرسين أحد أسباب فشل المنظومة بالتأكيد، وهو ما يجعل من ذلك الإصلاح كالدوران في دائرة مفرغة فما يبنى على فساد هو فاسد لا محالة.

ولا تعد عملية الإصلاح الشامل في حد ذاتها المعجزة التي تستوجب الدعاء فقط، ومن ثم الانتظار لنزول الوحي بالحلول كما اعتادت أن تُصور لنا الحكومات المصرية المتعاقبة، كمبرر لفشل مخططاتها الوهمية وستارًا لعرقلتها المتعمدة للإصلاح، وخاصة في بيئة غنية بالكثير من الموارد التي تفتقر إليها الدول الأخرى، والتي إن تم استغلالها وتوجيه عائداتها على النحو الصحيح، وبنوايا جادة، لكانت شكلت أكبر داعمًا لذلك الاصلاح الذي يستدعي أولًا الإيمان بأدوات المنهج العلمي في البحث عن حلول للمشكلات المستعصية وغلق باب الاجتهادات الذي عادة ما نبرع فيه، فكثيرة هي الدول التي بدأت نهضتها الاقتصادية وتاريخ حضارتها من نقطة الصفر أو حتى دون ذلك وأوضاع أكثر سوءًا من الوضع المصري اليوم، إما من جراء الحروب أو الاستقلال حديثًا أو معاناة طويلة مع النزاعات الأهلية، ولكنها، وعلى الرغم من ذلك، استطاعت أن تنجح فيما فشلنا، ولا زلنا نفشل فيه.

ولعل النموذج الأبرز لذلك هو الصين التي تحولت من دولة زراعية بدائية إلى واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم، وإلى دولة تنتج حوالي 50% من السلع الصناعية الهامة للعالم أجمع، فقد بدأت الحكومة وبالتحديد عام 1979 في تطبيق سياسة الاصلاح والانفتاح على الخارج بعد أن عانت طوال فترة السبعينيات من مخاطر الانهيار الوشيك للاقتصاد، حيث ركزت جهودها بشكل كبير على إزالة العقبات أمام دخول رأس المال الأجنبي، ولكن كان التركيز الأكبر على تضخيم الناتج المحلي واستغلال الأيدي العاملة والأسر المنتجة في كل حرفة ومهنة حتى ازدهر إنتاجها في جميع الصناعات، بما في ذلك ما لايُستهلك محليًا ويُصنّع فقط من أجل التصدير إلى الخارج، وخلال عدة سنوات فقط استطاعت أن تغزو أسواق العالم الأوروبي والعربي بإنتاجها الذي أصبحت تعتمد عليه الكثير من الدول بنسبة تجاوزت الـ 70% لتحتل العام الجاري المرتبة الأولى عالميًا من حيث حجم التجارة الخارجية.

ويعتبر ذلك الانجاز الاقتصادي هو فقط أحد محاور استراتيجية الإصلاح الشامل التي اتجهت الصين منذ اليوم الأول إلى تحقيق كافة محاورها في آن واحد لضمان استقرار الاقتصاد وثبات دعائمه وخاصة بعد ثلاث تجارب إصلاحية فاشلة فيما قبل السبعينيات لعدم مراعاة التنفيذ المتكافئ لمحاورهم، لذلك كان العمل الجاد على محاربة الفقر، واتباع نهج صارم وعادل في توزيع الدخل السنوي؛ مما انعكس بالتأكيد على دخل الفرد، وأدى إلى ارتفاعه بشكل ملحوظ منذ البداية، ففي عام 1981 كان أكثر من 634 مليون مواطن يقل دخلهم اليومي عن دولار واحد؛ ليصل ذلك العدد عام 1990 إلى 374 مليون، ومن ثم إلى 128مليون عام 2004 لتتراجع بذلك نسبة الفقراء مقارنة بالعدد الإجمالي للسكان من 32% عام 1990 إلى 9.9% عام 2004، وهو الإنجاز التاريخي الذي يُحسب لها بالإضافة إلى انخفاض معدل البطالة إلى 4% خلال العقود الماضية ومعدل الأمية من 80% عام 1949 إلى 6.67% عام 2008.

وبالتأكيد لم يكن ليُكتب النجاح لتجربتهم الاصلاحية الرابعة، دون المحاربة الفعلية للفساد الذي يعرقل أي وتائر للتنمية، لذلك كان ضمن أولويات الحكومة الصينية التي شنت العديد من الحملات الشرسة على الفساد منها ما بين عام 1995- 2002 والتي استهدفت القيادات والسياسيين وموظفي الحكومة البارزين وأدت إلى إقالة عدد كبير من رجال الدولة أنذاك من بينهم وزير العدل، بالإضافة إلى توقيع عقوبات إدارية وتأديبية على أكثر من 70 ألف حالة فساد (لم تكن تلك الحملات وهمية كما هو معهود لدينا لتطال بعض الشخصيات وتبعد الشبهات والأنظار عن شخصيات أخرى حيث نظرية كبش الفداء) كما شنت أيضًا حملة جديدة بدأت منذ ثلاث سنوات ضد الفساد الحكومي بكل أشكاله بدءًا من الرشى المباشرة، وحتى عمليات التضخيم الوهمي لتكاليف المشاريع الحكومية صادرت خلالها عشرات المليارات من الدولارات وخضع العديد من نواب البرلمان للمحاكمة على إثرها.

ولا تعد الصين هي الدولة الوحيدة التي استطاعت أن تجذب أنظار العالم إليها بمعجزة اقتصادية وتثبت انتفاء صفة الإعجاز عن تحقيق عملية الاصلاح الشامل، حيث هناك سنغافورة المعبر البحري الذي تحول إلى دولة سطرت قصة نجاح يحتذي بها العالم (ماعدا نحن على الأغلب)، وهي التي استطاعت أن تتحول من أقصى حالات الفقر إلى أقصى حالات الثراء، وباتت معجزة آسيا الاقتصادية بعد أن كانت تفتقر إلى كل المقومات التي من شأنها أن تؤسس دولة حضارية، فقد استقلت سنغافورة عام 1965 وثلثا سكانها يسكنون العشوائيات، ويفترشون الشوارع، وتغرق تمامًا في الأمية، وتفتقر حتى إلى البنية الأساسية والصرف الصحي وإمدادات المياه إلى جانب انعدام الموارد الطبيعية والنفط وحاجتها الدائمة إلى استيراد الرمال لأي أعمال بناء تشرع بها.

ولكن تلك العراقيل التي من شأنها أن تقتل أي محاولات للإصلاح والبناء في مهدها لم تَحُول بين «لي كوان» وحكومته وبين نجاح استقلالهم الذي حوصر بتخلي أغلب الدول عنهم حيث تراءى للجميع فشلهم لا محالة، وهو ما دفع الحكومة إلى التيقن بضرورة وضع خطة إصلاح شاملة باعتبارها السبيل الوحيد والأداة الفعالة للنهوض بالدولة من ذلك الوضع الذي تقبع فيه، وهو ما كان بالفعل، حيث سعت من خلالها إلى بناء دولة المؤسسات والعدالة والقانون وتهيئة البيئة الداخلية المناسبة لجذب المستثمرين ورؤس الأموال الأجنبية، وجعلت القاعدة الأساسية لذلك الاصلاح هو حماية حقوق الإنسان وتكافؤ الفرص في العمل، وأمام القانون، ومحاربة أية ظواهر للقصور في التفكير والإبداع الفردي أو المؤسسي لتأثيره على باقي أفراد المجتمع؛ (مما جعلها تمتلك فيما بعد واحدة من أفضل أنظمة الصحة والتعليم على مستوى العالم)، بالإضافة إلى الغرامات المالية على أبسط المخالفات والعقوبات الصارمة لكل مخطئ فقد كان الإعدام عقوبة كل من يتورط بفساد أو قضايا مخدرات، لذلك وبعد عدة عقود فقط استطاعت سنغافورة أن تحتل المركز الثالث عالميًا كواحدة من أغنى دول العالم حيث ارتفع دخل الفرد بها تدريجيًا من 400 دولار عام 1959 إلى 22 ألف دولار عام 1999 ومن ثم إلى 64.584 في 2013  كما انخفضت نسبة البطالة التي كانت تتجاوز 14% إلى 2% فقط واحتلت المرتبة السابعة عالميًا في انخفاض مؤشر الفساد لعام 2014.

ولكن بالعودة إلى مصر التي تحتل المركز 88 على مستوى العالم في مؤشر مدركات الفساد لعام 2015، يظل غياب الاصلاح الاجتماعي الفعال على أرض الواقع سببًا في اتساع هامش فقدان الثقة بين المواطن وأجهزة الدولة بالإضافة إلى ضعف المؤسسات التمثيلية له كمجلس النواب؛ مما رسخ شعورًا دائمًا لديه بعدم وجود أي عائد إيجابي يطاله من أعمال الحكومة، بل أحيانًا العداوة المفرطة بين بعض الفئات وبين الدولة؛ نتيجة رضوخهم تحت وطأة بعض القرارات وتبعاتها، كغلاء الأسعار التي تثقل كاهلهم، وعدم تحصيلهم فائدة من القرارات الأخرى في المقابل، وهو الشعور الطبيعي عند المقارنة بدولة، كألمانيا، التي يدفع المواطن بها ضرائب قد تصل إلى 40% من دخله، ولكنه، وعلى الرغم من ذلك، لم يثر الأزمات أوالمشاكل؛ نتيجة تلك السياسة، حيث ينال المواطن مقابل مايدفعه كافة الخدمات المنوط بالدولة تقديمها له على جميع الأصعدة، لذلك على الرغم من الإصلاح الاقتصادي التي تخوض غماره مصر اليوم، فإنه لا خيار أمام عملية الإصلاح الشامل، كالسبيل الأمثل لتجاوز التحديات، والتي لابد أن تكون وفقًا لرؤية استراتيجية تنطلق من مفهوم التنمية المستدامة، كما هو الحال مع الدول سابقة الذكر باعتبارها دول مرجعية، وذات خبرة سابقة في مسيرة الإصلاح، بحيث يتم صياغة نهج إصلاحي لسنوات أو عقود قادمة تتعاقب الحكومات على تنفيذها لا تعطيلها، وهو الأمر الذي يتطلب ضمان رضا المواطنين بالبدء الفوري بالإصلاحات الاجتماعية لتعزيز النهج الإصلاحي، وتهيئة المناخ المؤاتي له للمضي به بخطى ثابتة تضمن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى البعيد، دون سخط أو حراك شعبي مضاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد