عاد وزير العدل الأسبق وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار محمد أوجار، إلى إثارة موضوع التصويت الإجباري، حين دعا إلى ضرورة إعادة النظر في العملية الانتخابية بالمغرب، خلال مشاركته في ندوة حول «كوفيد19 وأسئلة الحقل السياسي المغربي» نظمتها جامعة محمد الخامس، بشراكة مع مؤسسة «هانس سايدل» الألمانية.

   ولم تكن هذه المرة الأولى التي أثير فيها نقاش التصويت الإجباري في الانتخابات، فقد سبق طرحه خلال الولاية السابقة من طرف بعض الأحزاب كالاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال، اللذين تقدما بمقترح تضمن عقوبات على عدم إدلاء المواطنين بأصواتهم، كما تقدم حزب العدالة والتنمية خلال نفس الولاية بمذكرة إلى وزير الداخلية تنص على إجبارية التصويت، كما أثير قبل أشهر حينما كشفت بعض الصحف عن لقاءات جمعت وزير الداخلية بزعماء الأحزاب السياسية لمناقشة الموضوع.

   هذا النقاش الذي خلق جدلا كبيرا، فمؤيدوه يرونه مناسبة لتمكين المواطنين من ممارسة واجب التصويت، وفرصة لتوسيع نسبة المشاركة السياسية وتوسيع دائرة المهتمين بالشأن السياسي عوض اقتصاره على النخبة، وسيساهم في رفع نسبة الوعي عند المواطنين، كما سيكون مناسبة لجعل المشروعية لدى الحزب الفائز منبثقة عن فئة واسعة من الشعب، عوض فئة صغيرة يمكن أن تمثل فقط أنصار حزب معين وقليل من المهتمين بالسياسة، وهو ما سيمكن كل فئات الشعب من تمثيلية تدافع عن مصالحهم وحقوقهم.

   ويستشهد هؤلاء بتجارب مجموعة من الدول الديمقراطية التي تعتمد التصويت الإجباري وعلى رأسها بلجيكا التي ينص دستورها على إلزامية التصويت، بل ويواجه القانون المخالفين بعقوبات مختلفة.

   كما يرون أن إقرار التصويت الإجباري لا يعني مطلقًا إكراه أحد على التصويت لصالح حزب معين، بل إن بإمكانه المشاركة بورقة فارغة، وهو بذلك يمارس حقه في التعبير عن رفضه لبرامج كل الأحزاب.

   أما المعارضون، فهم يصنفونه إجبارا، وضربا لأهم مبادئ حقوق الإنسان الكونية وهي حرية التعبير، فهؤلاء يعتبرون التصويت حقا وليس واجبا، ولا يمكن إكراههم على ممارسته، بل وأن عدم التصويت يعتبر في حد ذاته حقا في حرية الإدلاء برأيهم في العملية الانتخابية أو السياسية ككل وليس حول برامج الأحزاب فقط، وفي ذلك رد على المدافعين عن التصويت الإجباري اللذين يرون أن بإمكان من يرفض برامج الأحزاب أن يتوجه إلى صناديق الاقتراع بورقة فارغة دون أن يفرض عليهم أحد التصويت لصالح حزب معين.

   وبخصوص الاستشهاد بالدول التي تعتمد على التصويت الإجباري يرى المعارضون أن 10 دول فقط هي التي تطبق قوانين التصويت الإجباري من أصل 23 دولة تعتمد الزامية التصويت، وعلى رأسها بلجيكا التي أوقفت العمل بهذا القانون منذ سنة 2003.

   وبين جدال المعارضين والمؤيدين ثمة مشكلة رئيسية هي الأصل في الموضوع، وهي إشكالية المشاركة السياسية وظاهرة العزوف عنها، وما نقاش التصويت الإجباري سوى فرعًا من الأصل، الذي يشمل أيضًا الاهتمام بالشأن السياسي والانخراط في الأحزاب السياسية.

   إن ظاهرة العزوف عن المشاركة السياسية، والتي أصبحت معطى حاضرا في المشهد السياسي في السنوات الأخيرة، بالرغم من كل الوسائل التي تم تسخيرها لتشجيع المواطنين على المشاركة السياسية، وصلت إلى انخراط المؤسسة الملكية بنفسها في الدعوة إلى المشاركة والتصويت في الانتخابات، وذلك في العديد من الخطابات.

   إن أي باحث عن الأسباب التي جعلت المواطنين يديرون ظهورهم للسياسة، سيجدها كثيرة ومتعددة، يأتي على رأسها ذلك الشعور بالخوف من السياسة، وهو الذي عمل النظام السياسي على تطعيمه على مدار سنوات عديدة، يبتدئ من تنشئة ذلك الشعور اجتماعيا، مرورا بممارسة الضغوط والرقابة على من يمارس السياسة، وصولا إلى شن حملات اعتقالات ومحاكمات، كل ذلك بغية القضاء على أي تصور سياسي يختلف مع تصوراته، وهو ما سبب حالة من الخوف من العمل السياسي والحذر من ممارسيه.

   كما أن من بين الأسباب التي تطعم ظاهرة الابتعاد عن السياسة، هو حالة انعدام الثقة بين المواطنين والسياسيين، بسبب اقتران السياسة وضمنها الانتخابات لدى المواطنين بالمصالح الشخصية، أكثر ما هي وسيلة لتلبية متطلباتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأبرز مظاهرها هي حالة عدم الرضى من أجور البرلمانيين وجميع أعضاء الحكومة وتعويضاتهم.

   وكذلك العلاقة بين الناخب والمنتخب، التي تتسم بالقطيعة طيلة الولاية التشريعية، ولا يتم استئناف التواصل من طرف المنتخب، إلا بمناسبة مرور خمس سنوات بحثا عن ولاية جديدة، زيادة على أن الفشل المستمر الذي تعرفه مجموعة من القطاعات خصوصا الاجتماعية ولد شعورا لدى المواطنين بعدم جدوى السياسة ككل، والمشاركة في الانتخابات بشكل خاص ما دامت عاجزة عن إيجاد مخرج لأزماتهم الاجتماعية والاقتصادية.

   بالإضافة إلى الانحطاط الذي يعرفه العمل الحزبي، الذي تتحكم فيه المصالح الشخصية والمحسوبية عوض الكفاءة والمردودية، ولعل أبرز انعكاس لذلك هو طريقة اختيار المرشحين للانتخابات بتزكية أصحاب المال والنفوذ على حسابات طاقات مناضلة داخل الحزب.

   صحيح أن دستور 2011 قد نص في مادته 30 على أن «…التصويت حق شخصي وواجب وطني» لكن التشجيع على المشاركة السياسية، والدعوة إلى التصويت في الانتخابات لا يمكن أن يكون عن طريق سن قوانين تفرض ذلك، عبر البحث عن تأويلات للدستور، الذي من المفروض أن يتوقف عند حدود التنصيص على أن التصويت حق، ولا يعتبره واجبا، لأنه بذلك سيكون قد انتهك أحد أهم حقوق الانسان وهو الحق في حرية الرأي والتعبير.

   ثم أن نتائج سن قانون إجبارية التصويت، ستكون عكسية وستولد وتزكي انطباع الإكراه لدى المواطن الذي يحتاج اليوم إلى مؤسسات حقيقية قادرة على بلورة إصلاحات مستقبلية بتغيير السياسات، وإلى مساواة حقيقية بين الحقوق والواجبات، وإلى تفعيل مبدأ المساءلة والمحاسبة، عوض مبدأ الإعفاء من المنصب والتعويض عن الإعفاء، وإلى استقلالية حقيقية للسلط، ناهيك عن حاجته إلى طلاق لا رجعة فيه بين المال والسياسة.

   المواطن يحتاج إلى من يصون كرامته ويضمن له عيشا كريما، لتعويض خيبات الأمل العديدة التي تسبب فيها الفاعلون السياسيون، واليأس المزمن من السياسة، وهو الذي يعيش حالة من القلق حول مستقبل قوته اليومي جراء تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.

 إن الإجابة على ظاهرة عزوف المواطنين عن السياسة، ورفضهم التصويت في الانتخابات، يجب أن تكون فرصة تأمل للنظام السياسي ككل، أولا لدراسة ومعرفة وفهم أسباب ظاهرة انخرطت فيها كل أطياف المجتمع ولم تستثني حتى طالب العلوم السياسية، ثانيا للقيام بتقييم حقيقي لاستراتيجياته السياسية وإصلاحها.

فربما سيكون ذلك مدخلا لحل هذه الظاهرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد