«نحل العسل يمتص رحيقَ أزهار كثيرة ومتعددة، ولكنه يخلق مما يجمعه عسلًا جديدًا كل الجدة، من خلال عملية إبداعية معجزة خلاقة، أما النمل فإنه يجمع ويكوّم كل ما يقع عليه بلا إضافة، وشتان بين الامتصاص ثم الإبداع، وبين لملمة ثم ابتلاع».

(البروفيسور سعد الهجرسي- مقدمة كتاب الذاكرة الخارجية لكمال عرفات)

عطفًا على المقالين السابقين «لماذا نتعلم؟» و«كيف نتثقف؟» في سلسلة مقالاتي حول المعرفة والتثقف على منصة ساسة بوست.. أنتقل في هذا الجزء إلى دائرة الاهتمام المجتمعي بوصفها ساحة توظيف لما نحمله من معارف وخبرات وتجارب.

وغني عن القول بأن المعرفة لا تُطلب عبثًا بطبيعة السياق، وإنما للاستفادة ومنها وتوظيفها في خدمة المجتمع، والشخص الفعال هو من يعرف ويتثقف ويوظف معرفته، لا من يطلب المعرفة ليتضخم بلا فاعلية ولا إنتاج، والمجتمع -بلا شك- ميدان واسع لتوظيف المعرفة وإفادة الآخرين بها.

أليس من الأنسب أن نتعرف على المعارف التي ينبغي أن نتزود بها قبل مطالبتنا بتوظيفها لخدمة المجتمع؟ كلا!

قبل أن تحدد المعارف التي ينبغي عليك التزود بها، عليك أن تحدد القضايا والمشكلات المجتمعية مثار اهتمامك، أو التي تتفاعل معها بدرجة أكبر، وتود الإسهام في تجاوزها بما تختزنه من معرفة وتجارب؛ حتى يكون تثقفك بحسب حاجات مجتمعك لا أن يكون تحليقًا في الهواء، أو سباحة في الرمل.

قضايا ومشكلات مفترضة

لنفترض أن مجتمعك المحلي يعاني من بعض أو معظم المشكلات المذكورة أدناه:

التفكك الأسري والانهيار الأخلاقي.

الأمية الأبجدية والثقافية و(التقنية).

التدخين والمخدرات.

انتشار العادات والسلوكات الاجتماعية الضارة.

تردي الخدمات الصحية.

ضعف مؤسسات التعليم والتربية والثقافة.

ضعف الإنتاج والتخلف الاقتصادي.

ابتعاد المثقف عن قضايا المجتمع وهمومه.

عدم احترام القانون.

البطالة والفقر.

التشرد والجريمة..

الخلافات السياسية والدينية.

الصراعات القبلية والعرقية والمناطقية.

تفاهة الاهتمامات لدى الفئات الفعالة.

عدم الاهتمام بالوقت.

الهوس الرياضي وجنون الكرة.

العزوف عن الزواج.

تردي العلاقات الاجتماعية.

هل ترى أن أفراد مجتمع هذه مشكلاته، بحاجة إلى تثقف نوعي حسب طبيعة المشكلات التي يعيشها مجتمعهم، وهل ترى رابطًا واضحًا بين التثقف باعتباره فعلًا والمشكلات باعغتبارها واقعًا؟ وبعبارة أخرى: ما تأثير المشكلات المجتمعية في طبيعة ونوع التثقف والتحصيل المعرفي؟

 قضايا المجتمع.. منطلق التثقف

تمثل قضايا المجتمع والصعوبات التي يواجهها المحدد الرئيس لطبيعة ونوع المعارف التي يتثقف بها الشخص؛ حتى يسهم بفاعلية في معالجتها وتجاوزها، ويعبر اهتمام المتثقف بهموم مجتمعه عن إحساس إيجابي ونبل ونضج وضمير حي ونفس كبيرة، ومؤشر وعي وشاهد خبرة، ولك أن تعد الاهتمام بشؤون المجتمع أداء لواجب حضاري وإنساني.

ولا بد أن يسبق النشاط المجتمعي إدخال معرفي منظم؛ لأن المعرفة وقود الأنشطة الإنسانية ووسيلة أساسية لخدمة قضايا المجتمع والإنسانية، ولا تبني المجتمعات إلا العقول الكبيرة المتشبعة بمعرفة جيدة، والمعرفة الجيدة هي تلك التي تبني إنسانًا فعالًا، يسهم بها في تنمية مجتمعه.

أسهم ولو بنصف فكرة

للإسهام الفكري في قضايا المجتمع قيمة خاصة، وإن كانت الفكرة بسيطة في نظرك. وللدكتور عبدالكريم بكار عبارات عميقة ومحفزة «أثبتت التجربة التاريخية أنه لا شيء يضيع؛ فالفكرة مهما كانت، تترك انطباعًا معـينا سلبيا أو إيجابيا، فقد تشكك في مسَـلمة من المُسلّمات، وقد تعـزز ظنًّا من الظنون، وقد تنبه إلى شيء منسي، وقد تنقذ أمة من كارثة محققة! وكثيرًا ما يحدث أن تأتي الفكرة قبل أوانها أو في غير محيطها، فلا تحدث اضطرابًا في الواقع العـملي، وهي أيضًا لا تضيع لأنها ستشكل الخميرة التي سوف تنبت يومًا ما أفكارًا أو حلولًا حين تجد المناخ المناسب».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد