لطالما كان الإنسان بوصفه كائنًا ساميًا، يختص بميزات تبعده عن خانة الحيوانية، يبحث عن الكمال والسمو المطلق، هذا الكمال الذي تجسد مع اليونانيين في البلوغ إلى الخير الأسمى (السعادة)، ويمكن إسقاط هذه الغاية على جميع الأجناس والعصور، إذ إن غاية الغايات بالنسبة للإنسان هي تحقيق سعادة تمكنه من العيش بأريحية وسلام، لكن سبل الوصول إلى هذا الكمال تباينت طرق الوصول إليها، ونحن بهذا الصدد يمكن لنا أن نتفق على أن المنظور الفلسفي بخصوص هذه المسألة، قد أفرز تصورات مختلفة؛ منها من يحدد بأن الطريق الملكي المحقق لهذا الخير هو باتباع كل أنماط الشهوات واللذات المتعددة دون الاكتراث للجانب الأخلاقي المترتب عن هذه الأخيرة، لكن هناك فلاسفة ومفكرين اتخذوا طريق الفضيلة والعقل سبيلًا آمنًا يقيهم شر الألم المترتب عن اللذة، ومحققًا لهم سعادة متميزة (نسبية)، ومن بين هؤلاء يمكن لنا أن نستشهد بالفيلسوف أبي نصر الفارابي الذي يقيم علاقة وثيقة الصلة بين اللذة أو الرغبة وبين تحقيق سعادة الفرد، فاللذات عنده تنقسم إلى قسمين؛ فهناك اللذات المتعلقة بالمحسوس أي تلك اللذات التي لها ارتباط بالحواس الخمس «المسموع– المشموم– المتذوق– الملموس– المنظور»، والتي يراها غير ذات أهمية؛ يشترك فيها الإنسان مع الحيوان، مقدار ما تحققه للفرد من سعادة مؤقت ولحظي يقترن بالجسد فقط دون أن يتعداه إلى الروح، ومن الأمثلة على هذه اللذات تذوق نوع من الطعام نحبه، أو سماع أغنية نفضلها أو رؤية شيء جميل…، فيما القسم الثاني هو المرتبط بالمفهوم «اللذات العاقلة» كلذة طلب العلم والعبادة والحلم بالرئاسة، إن هذا الصنف من اللذات هو ما يحقق للذات سعادتها وخيرها الأسمى، بحكم أنها ميزة إنسانية يتفرد بها الكائن الناطق عن غيره من الكائنات، وبالنظر إلى أن ما تحصله له من شعور بالامتلاء والفخر وإحساس بالسعادة الروحية والجسدية معًا، الذي يصاحبها رضا تام عن النفس، كما أنها تتلاءم والصفة الإنسانية للإنسان، فيما القسم الأول بالنسبة للفارابي يكون في الكثير من الأحيان مانعًا عنا الكثير من الخيرات والفضائل.

طبعا يمكن أن نتساءل: جميل كل ما تقوله، لكن ما علاقة كل هذا بنا نحن الذين نعيش في زمان غير زمان الفلاسفة والفارابي منهم؟

السؤال مشروع دائمًا، ومباح بالشرع والحكمة، الجواب يكمن في الغوص في الدلالة التي يقدمها عصرنا وجيلنا لهذا المفهوم (السعادة)، فإذا قارنا بين المدلول الذي يقدمه الفارابي وقبله أرسطو وأفلاطون وإبكتيت لهذا المفهوم، وبين ما نعرفه أو نفهمه من هذا المفهوم؛ فلعل البون شاسع جدًا، إن الحضارة المعاصرة بكل ما تحمله من تقدم مادي وعلمي لا يخفى على الكل، لكنها مع ذلك تشهد من زاوية أخرى انحطاطًا تامًّا وكليًّا على المستوى القيمي والأخلاقي «الحروب المختلفة– المجاعات– العنف الممارس– تراجع قيمة الإنسان المعاصر»، وكل تقدم لا يتم بالجمع بين المادية والأخلاقية فمصيره الحتمي هو الزوال والاندثار، فالمفهوم المقدم للسعادة اليوم يرتبط أشد الارتباط باللذات المحسوسة أكثر منه باللذات المعقولة؛ ولخير شاهد على هذا القول هو شيوع ثقافة الاستهلاك بين مختلف الشعوب، وتراجع مقلق لدور العقل والأخلاق في بناء الحضارات والأمم، وكذلك قلة الاهتمام الملحوظ بالمجالات الفكرية والثقافية والفلسفية وغياب الوعي الفني الراقي.

نحن اليوم في حاجة إلى ثورة أخلاقية أكثر منها سياسية، ثورة الوعي الأخلاقي، نحن في الحاجة إلى النقد؛ لأنه هو الدماء الحية لكل تقدم حقيقي ممكن، فها هي ثورات الربيع العربي قد تمت لكنها فشلت بسبب غياب وعي أخلاقي بدرجة أولى وسياسي بدرجة أقل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!